الجاهلية في السائبة [1] ، فلذلك لم يركبها، مع ما فيه من الجهد، والسفر ، والمشقّة ، فلذلك أرشده - عليه الصلاة والسلام - إلى ركوبها ، وفي هذا دليل على ركوب البدنة المهداة [2] ، ولما لم يمتثل هذا الرجل لهذا الأمر الصادر منه عليه الصلاة والسلام ، ولم يكن عدم امتثاله عن مكابرة ، أو عناد ، بل عن شبهة ، وهي كما قال ابن حجر رحمه الله: « يحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غُرم بركوبها ، أو إثم ، أو أن الإذن الصادر له بركوبها ، إنما هو للشفقة عليه فتوقّف » [3] ، عندئذٍ أغلظ له النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل زجره بكلمة توحي بالدعاء عليه ، « ولو لا أنه - صلى الله عليه وسلم - اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة » [4] . وهذه الكلمة: هي قوله له: ويلك وفي رواية ويحك .
قال القرطبي رحمه الله: « قالها له تأديبًا لأجل مراجعته له ، مع عدم خفاء الحال عليه » [5] .
وهذه الكلمة أصلها من الويل ، وتقال لمن وقع في الهلكة ، والمعنى أن هذا الرجل قد أشرف على الهلكة بسبب عدم امتثال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالركوب: « فعلى هذا هي إخبار ، وقيل: هي كلمة تدعم العرب بها كلامها ولا تقصد معناها كقوله لا أمّ لك» [6] ، و «لا أب له، وتربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه» [7] .
وقد قال الهروي رحمه الله: « ويل: يقال لمن وقع في الهلكة يستحقها ، وويحٌ: لمن وقع في هلكة لا يستحقها » [8] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث قد استخدم هذه الكلمة ويل أو ويح في مقام الدعاء على ذلك الرجل ، وفي نفس الوقت تصحيح لخطئه . ولذلك لما زُجر الرجل بهذا الدعاء ، تعلمّ التصحيح ، وانقاد إلى الصواب ، فركب هذه البدنة امتثالًا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورجوعًا
(1) انظر: فتح الباري 3 / 629 .
(2) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 3 / 442 .
(3) فتح الباري: 3 / 629 .
(4) المصدر السابق .
(5) المصدر السابق .
(6) المصدر السابق .
(7) شرح صحيح مسلم للنووي 3 / 443 .
(8) فتح الباري: 3 / 629 .