فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 322

فلا يفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، وينتفع الوضيع النسب بالتقوى كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [1] .

وهذه المصارحة والمفاتحة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر رضي الله عنه كانت لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بقبول الصحابي لذلك، فالصراحةُ وسيلة مفيدة تختصر الوقت وتوفّر الجهد وتبيّن المقصود بأيسر طريق ولكنها تكون فيما يُناسب من الأحوال والأشخاص.

وروى الطبراني عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن أَبِي خَالِدٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ الأَوْدِيُّ، قَالَ: كُنْتُ فِي دَارِ مَعْقِلِ بن يَسَارٍ بِالْبَصْرَةِ، فَحَدَّثَتْنِي ابْنَتُهُ أن أَبَاهَا لَمَّا ثَقُلَ بَلَغَ ذَلِكَ زِيَادًا، فَجَاءَ حَتَّى اسْتَأْذَنَ عَلَى الْبَابِ، وَجَلَسْتُ عِنْدَ أَبِي فَدَخَلَ زِيَادٌ فَعَرَفَ فِي وَجْهِ أَبِي الْمَوْتَ، فَقَالَ: يَا مَعْقِلُ، أَلا تُزَوِّدُنَا مِنْكَ؟ فَقَدْ كَانَ اللَّهُ يَنْفَعُنَا بِأَشْيَاءَ نَسْمَعُهَا مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَا مِنْ وَالِي أُمَّةٍ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ لَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ إِلا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ"، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ أَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْقِلُ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ أُمْ مِنْ وَرَاءَ؟ فَقَالَ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .

وفي رواية عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ الْبَصْرَةَ فَنَزَلَتُ دَارَ مَعْقِلِ بن يَسَارٍ، فَحَدَّثَتْنِي ابْنَتُهُ هِنْدٌ، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ أَبِي بَلَغَ ذَلِكَ زِيَادَ بن أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَ يَعُودُهُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَنْفَعُنَا بِحَدِيثِكَ، فَحَدِّثْنَا شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَا مِنْ وَالٍ اسْتُعْمِلَ عَلَى أُمَّةٍ مِنْ أُمَّتِي قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ فَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ إِلا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ". [2]

وقد يعدلُ الداعية عن مصارحة المخطئ إذا كان في ذلك حصولُ مفسدة أكبر أو تفويتُ مصلحة أعلى ،كأن يكون المخطئ صاحب جاه أو منصب لا يتقبّل ذلك أو أن يكون في المصارحة إحراج بالغ للمخطئ أو يكون ذا حساسية زائدة تجعله ذا ردّ فعل سلبي، ولاشكّ أن المصارحة مكروهة للمخطئ وثقيلة على نفسه لما فيها من المواجهة والإحراج والظهور بمظهر الناقص في مقابل ظهور الناقد في موضع المستعلي والأستاذ. وكذلك فإنه

(1) - فتح الباري لابن حجر - (10 / 468)

(2) - المعجم الكبير للطبراني - (15 / 154) (16908 -16910 ) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت