فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 322

ومن هذا المنهج الرِّفق ، فهي كثيرة كذلك ، فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ الْيَهُودُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْكَ . فَفَطِنَتْ عَائِشَةُ إِلَى قَوْلِهِمْ فَقَالَتْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَهْلًا يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأَمْرِ كُلِّهِ » . فَقَالَتْ يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا يَقُولُونَ قَالَ « أَوَلَمْ تَسْمَعِى أَنِّى أَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَقُولُ وَعَلَيْكُمْ » [1] .

ففي هذا الحديث أن هؤلاء الرَّهط من اليهود دعوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: السَّام عليكم: أي الموت العاجل ، ففهمت ذلك عائشة فردَّت عليهم وزادت اللعنة لهم، « فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يتعوَّدَ لسانها الفحش ، أو أنكر عليها الإفراط في السبّ » [2] وذلك غاية الرِّفق منه - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مع مخالفيه ، ومن يَدعون عليه بالموت العاجل ؛ فهو «لم يقابل قولهم القبيح ومقصدهم الفاسد بالعنف» [3] .

رفقه عليه الصلاة والسلام أثناء التّصحيح ، والتعليم بالمصَحَّح له ، والمتعلم كما فعل مع عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه ، فعن وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا فِى حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِى الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ » . فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى بَعْدُ [4] .

ففي هذا الحديث الحرص من النبي - صلى الله عليه وسلم - على تصحيح خطأ هذا الصبي اليتيم وتوجيهه إلى آداب الطعام ، وجاء كل ذلك برفق ولين حيث خاطبه عليه الصلاة والسلام بقوله: يا غلام بما يناسب سنه، وبما لا يوحى بالعنف والشِّدة . ولذا عَقَل هذا الغلام هذا التوجيه، فقال: فما زالت تلك طُعْمَتِي بعد - أي أنه فهم هذا التوجيه أحسن الفهم - ولزم ذلك وصار عادة له [5] .

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (6395 )

(2) - فتح الباري: 11 / 46 .

(3) - فقه الدعوة في صحيح البخاري: القحطاني 1 / 512 .

(4) - صحيح البخارى- المكنز - (5376 )

(5) - النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - معلمًا: أ . د فضل إلهي ص 196 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت