نسوا مسح أعقابهم - بالتأكيد - « فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث كان يرى الذين أخطأوا في وضوئهم ، وقصَّروا، وعند إنكاره عليهم ، لم يقل لهم يا فلان ، ويا فلان ، بل قال: ويل للأعقاب من النار [1] ، وستر على المخطئ ، منهم فدلّ ذلك على حكمته عليه الصلاة والسلام ، وبعْد نظره في هذه المسألة وغيرها بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - .
كذلك حكمته عليه الصلاة والسلام مع معاوية بن الحكم السلمي الذي شمّت العاطس وهو في الصلاة، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى لَكِنِّى سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَبِأَبِى هُوَ وَأُمِّى مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِى وَلاَ ضَرَبَنِى وَلاَ شَتَمَنِى قَالَ « إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ » [2] .
وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ظهر أثر ذلك في نفس ومشاعر هذا الرجل، لأن النفوس مجبولة: على حب من أحسن إليها ، ولهذا قال معاوية بن الحكم رضي الله عنه: ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه [3] .
وصدق القائل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبدَ الإحسانُ إنسانا
وحكمته عليه الصلاة والسلام مع الأعرابي الذي بال في المسجد فعَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى صَلاَةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ ، فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ وَهْوَ فِى الصَّلاَةِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا ، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا . فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِلأَعْرَابِىِّ « لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا » . يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ [4] .
حيث تعامل معه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل حكمة ، وحلم ، ورفق ، مع أنه أتى بأمر عظيم - وهو
(1) - فقه الدعوة في صحيح البخاري: خالد عبد الرحمن القريشي: 1 / 360 .
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (1227 )
(3) - انظر الحكمة في الدعوة إلى الله: القحطاني ص 191 .
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (6010 ) -حجر: ضيق