وقد تعلّم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الأمر - تصحيح الخطأ وإيجاد البديل - من نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى الْحَسَنِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ إِنِّى إِنْسَانٌ ، إِنَّمَا مَعِيشَتِى مِنْ صَنْعَةِ يَدِى ، وَإِنِّى أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ أُحَدِّثُكَ إِلاَّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ « مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا » . فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ . فَقَالَ وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ ، كُلِّ شَىْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ [1] .
ففي هذا الأثر عن ابن عباس إشارة للرجل أن يكفّ عن المحرم ، وهو تصوير ذوات الأرواح ، وإيجاد البديل المناسب وهو تصوير ما لا روح فيه .
وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ لَهُ: يَا أَبَةِ ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَمْضِيَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي وَلَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ قَالَ:"يَا بُنَيَّ إِنَّمَا أَنَا أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ إِنَّى لَا أُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ فَأُوَخِّرَهُ حَتَّى أَخْرُجَ مَعَهُ طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ" [2]
وعَنْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:"مَا طَاوَعَنِي النَّاسُ عَلَى مَا أَرَدْتُ مِنَ الْحَقِّ حَتَّى بَسَطْتُ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا" [3]
وخلاصة القول في ذلك أن من أراد تصحيح الأخطاء ، فيجمُل به إيراد بديل عن ذلك ، لأن النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء ، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير ، لاشتماله على أنواع من المشروع ، وفيه أيضًا شر ، من بدعة وغيرها ، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى [ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من] الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين ، وهذا قد ابتلى به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة ، فعليك هنا بأدبين:"
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (2225 )
(2) - الزُهْدُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (1748) حسن
(3) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (7463 )