يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ - أَوْ فَاتِنٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ - فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، فَإِنَّهُ يُصَلِّى وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ » [1] .
فدلَّ هذا الحديث على الإنكار على معاذ رضي الله عنه بسبب التأخير ، وفي هذا الإنكار نوع شدة ، وغضب مما فعل .
ومعنى الفتنة هنا ، كما قال ابن حجر رحمه الله: « أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة ، وقيل فتَّان: أي معذِّب لأنه عذَّبهم بالتطويل» [2] .
قال النووي رحمه الله: « فَفِيهِ الْإِنْكَار عَلَى مَنْ اِرْتَكَبَ مَا يُنْهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا غَيْر مُحَرَّم . وَفِيهِ جَوَاز الِاكْتِفَاء فِي التَّعْزِير بِالْكَلَامِ . وَفِيهِ الْأَمْر بِتَخْفِيفِ الصَّلَاة وَالتَّعْزِير عَلَى إِطَالَتهَا إِذَا لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ . » [3] .
وغضبه - صلى الله عليه وسلم - على معاذ بسبب التطويل لم يكن غضبًا شديدًا ، كغضبه على الرجل الآخر - الذي سيأتي حديثه بعد قليل - بل كان للتعليم حيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكره التطويل في الصلاة ، والمشقّة على المأمومين ، كما جاء عنه الحديث بذلك ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ » [4] .
وهكذا فالغضب من أجل المشقة على المصلّين ، أما حديث معاذ فقد عاتبه، وغضب عليه ، لكن لم يصل الأمر إلى الشدة كما فعل مع غيره .
وعَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّى وَاللَّهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا . قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِى مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ، ثُمَّ قَالَ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ مِنْكُمْ
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (705 ) وصحيح مسلم- المكنز - (1068)
(2) - فتح الباري: 2 / 229 .
(3) - شرح صحيح مسلم 2 / 137 .
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (703 )