فهذا الحديث - كذلك - بيّن الغضب على الجماعة إذا أخطأوا ، والغرض منه التصحيح للفعل الخاطئ . وهذا الحديث ، والقصة التي فيه عن أولئك الذين ألحُّوا بالسؤال على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (101) سورة المائدة، كما قال ذلك ابن حجر رحمه الله [1] .
« ومجرد غضبه - صلى الله عليه وسلم - من الشيء دالٌّ على تحريمه أو كراهيته » [2] ، ولذلك غضب على هؤلاء القوم واشتد غضبه حتى قال عليه الصلاة والسلام: سلوني.. .قال النووي رحمه الله: « قال القاضي: سلوني إنما كان غضبًا ... وكان اختياره - صلى الله عليه وسلم - ترك تلك المسائل ، لكن وافقهم في جوابها ، لأنه لا يمكن ردُّ السؤال ، ولِمَا رآه من حرصهم عليها » [3] .
وكان مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - من هذا الغضب هو إرجاعهم إلى صوابهم ، وتركهم لخطئهم في كثرة الأسئلة ، وقد وفَّق الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفهم مراده - صلى الله عليه وسلم - فبادر من فوره - لمّا علم غضبه - وبرك على ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - نبيًا .وفي رواية: إنا نتوب إلى الله عز وجل ، وفِعلُ عمر هذا دالٌ على أدبه وإكرامه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهلكوا » [4] .
ولذا أرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الكلام فسكن غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: سلوني « وفي هذا دلالة على مراقبة الصحابة أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وشدة إشفاقهم إذا غضب، خشية أن يكون لأمر يعمّ ، فيعمهم » [5] ، فيسارعون إلى تصحيح الأخطاء وما ذلك إلا بسبب فهمهم لغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه يريد منهم التّصحيح .
وهذه الأمثلة وغيرها تدلُّ على أن الخطأ إذا صدر من الجماعة ، فمن مناهج تصحيح الخطأ ، الغضب عليهم ليراجعوا تلك الأخطاء ويصحِّحوها قدر الإمكان
(1) - فتح الباري: 13 / 284 .
(2) - المصدر السابق: 1 / 226 .
(3) - شرح صحيح مسلم: 5 / 500 .
(4) - المصدر السابق .
(5) - فتح الباري: 13 / 284 .