يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ ، فَصَارَ مِنَ الضَّالِّينَ .
وَلَوْ أَرَدْنَا أنْ نَرْفَعَهُ بِتِلْكَ الآيَاتِ وَالعَمَلِ بِهَا إلَى دَرَجَاتِ الكَمَالِ لَفَعَلْنَا ، بِأنْ نَخْلُقَ لَهُ الهِدَايَة خَلْقًا ، وَنُلْزِمَهُ العَمَلَ بِهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، إِذْ لاَ يُعْجِزُنَا ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ هَذا الرَّفْعَ مُخَالِفٌ لِسُنَّتِنا . لَقَدْ رَكَنَ هَذا الرَّجُلُ إلَى الدُّنيا ، وَمَالَ إِلَيها ، وَجَعَلَ كُلَّ هَمِّهِ مِنْ حَيَاتِهِ التَّمَتُّعَ بِلَذَائِذِهَا المَادِّيَةِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهَا وَنَعِيمِهَا ، وَغَرَّتْهُ كَمَا غَرَّتْ غَيْرَهُ مِنَ العُمْيِ عَنْ أُمُورِ الآخِرَةِ .
وَمَثَلُ هَذا الرَّجُلِ مَثَلُ الكَلْبِ فِي لُهَاثِهِ ، فَهُوَ فِي هَمٍّ دَائب ، وَشُغْلٍ شَاغِلٍ ، فِي جَمِيعِ عَرَضِ الدُّنيا وَزُخْرُفِها ، وَهُوَ كَالّلاهِثِ مِنَ الإِعْيَاءِ وَالتَّعَبِ ، وَإِنْ كَانَ مَا يَعْنِي بِهِ حَقِيرًا لاَ يُتْعِبُ وَلاَ يُعْيِي ، وَتَرَاهُ كَمَا أَصَابَ سعَةً مِنَ الرِّزْقِ فِي الدُّنيا ، زَادَ طَمَعًا فِيهَا .
وَذَلِكَ المَثَلُ البَالِغُ الحَدِّ فِي الغَرَابَةِ هُوَ مَثَلُ القَوْمِ الذِينَ جَحَدُوا بِآيَاتِ اللهِ ، وَاسْتَكْبَرُوا جَهْلًا بِهَا ، وَتَقْلِيدًا لَلآبَاءِ وَالأَجْدَادِ ، فَهُمْ قَدْ ظَنُّوا أَنَّ إيمَانَهُمْ بِهَا ، يَسْلُبُهُمُ العِزَّ وَالجَاهَ ، وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ اللَّذَّاتِ . فَاقْصُصْ يَا مُحَمَّدُ قِصَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَلى هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ قَوْمِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا ، وَيَرَوْنَ الآيَاتِ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ ، لاَ بِعَيْنِ الهَوَى ، فَيَصِلَ الأمْرُ بِهِم إلى الإيمَانِ . [1]
"إنه مشهد من المشاهد العجيبة ، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات ..إنسان يؤتيه اللّه آياته ، ويخلع عليه من فضله ، ويكسوه من علمه ، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخا. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة ، انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه .. أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان باللّه تلبس الجلد بالكيان؟ .. ها هو ذا ينسلخ من آيات اللّه ويتجرد من الغطاء الواقي ، والدرع الحامي وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم فيصبح غرضا للشيطان لا يقيه منه واق ، ولا يحميه منه حام فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه .. ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد .. إذا نحن بهذا"
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1130)