ومن ذلك:
قَالَ عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ ، فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِى يَجِدُ » . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ . فَقَالَ أَتُرَى بِى بَأْسٌ أَمَجْنُونٌ أَنَا اذْهَبْ [1] .
قال ابن حجر رحمه الله: « قوله: اذهب هو خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ ، أي امضي في شغلك . وأخْلِق بهذا المأمور أن يكون كافرًا، أو منافقًا ، أو كان غلب عليه الغضب ، حتى أخرجه عن الاعتدال بحيث زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان من وهج الغضب بهذا الجواب السيئ» [2] .
والناظر في حال هذا الرجل يرى كيف فعل به الغضب كل هذا الفعل حتى أنه ردَّ وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإرشاده له بالتعوذ من الشيطان ، ثم كيف ردَّ على هذا الناصح له بهذا الرد القاسي !
قال النووي رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: «لهذا يخرج به - الغضب - الإنسان عن اعتدال حاله ، ويتكلم بالباطل ، ويفعل المذموم ، وينوي الحقد والبغض ، وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب ، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ عنه » [3] .
وكذلك انظر إلى خطئه بسبّه الرجل ، وما ذلك إلا من الغضب !!
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِىُّ كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمًا لِى بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِى « اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ » . فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ - قَالَ - فَلَمَّا دَنَا مِنِّى إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِذَا هُوَ يَقُولُ « اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ » . قَالَ فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِى فَقَالَ « اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (6048 )
(2) - فتح الباري 10 / 482 .
(3) - شرح صحيح مسلم 6 / 125 .