ثالثًا: استحضار عظمة خالقه ، وبارئه ، وأنه سبحانه مطَّلع على سره وعلانيته ، فمن استحضر ذلك فحقيق أن يُخلص لله سبحانه كل أموره ، ومنها تصحيحه للأخطاء .
رابعًا: الدعاء والإلحاح في ذلك بأن يرزقه الله الإخلاص ، وأن ينزع من قلبه الرياء في القول والعمل .
خامسًا: القراءة في أخبار المخلصين ، ومعرفة أحوالهم ليكتسب منهم معرفة طرق الإخلاص .
قال أبو حنيفة رحمه الله: « الحكايات عن العلماء ، ومحاسبتهم أحبُّ إليًّ من كثير من الفقه لأنها آداب القوم ، قال تعالى: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر» [1] .
إذا عُلم ذلك الأمر - الإخلاص - وأراد المصحِّحُ تصحيح الأخطاء فلا بد له منه - الإخلاص - فإنه « أولى هذه المهمات وأرفعها شأنًا .. ذلك أن هذه المهمة - التصحيح - ترمي إلى أمر عظيم وهو التجرّد لهذه المهمة ، وإخلاص القصد فيها لله وحده لا شريك له ، وهذا يتطلب تنقية النفس من حظوظها البشرية ، وتوطينها على أن تلاحظ في سعيها هذا الإخلاص ، أولا تكون الأعراض الدنيوية ، أو طلب الجاه والمنصب ، ديدنها فيما تقول وتعمل» [2] .
عَنْ شُفَيًّ الأَصْبَحِىَّ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالُوا أَبُو هُرَيْرَةَ . فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلاَ قُلْتُ لَهُ أَنْشُدُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِى حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَفْعَلُ لأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ. ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثَ قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِى وَغَيْرُهُ. ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً أُخْرَى ثُمَّ أَفَاقَ
(1) - انظر: آداب المتعلمين . د: أحمد الباتلي ص 15 وما بعدها .
(2) - انظر: من أدب المحدثين في التربية والتعليم أ.د.أحمد محمد نور سيف ص 23 .