فهرس الكتاب
[وكانت هذه الوسائل شديدة البساطة، وسببت أضرارًا قليلة الأهمية نسبيًا. وكان المهم حقًا، هو كلفة القمع، أولًا، ثم الأثر السياسي الذي وحَّد الايرلنديين، وقادهم إلى العمل، وأدى في الوقت ذاته إلى تقسيم الانجليز وشلهم.
هل كان بإمكان الانجليز الفوز في ايرلندا، عن طريق زج جيش أكثر عددًا، وشن حرب إبادة، بأسلوب كرومويل؟ إن مثل هذا السؤال عبثي في القرن العشرين. ولو واجه الرأي العام البريطاني مثل هذا الحل لما تحمله، على الأقل لأسباب اقتصادية. وبعد جيل من ذلك، منح الرأي العام العالمي تطبيق ذلك الحل في فلسطين، وقبرص، وحملة السويس [1] ، حيث كان للإنزال البريطاني الفرنسي عام 1956 مضاعفات عالمية.
فالحلول التعسفية إذن غير ممكنة، إلا في حالة العزلة، وفي عالم لا مبالٍ، وكذلك عند مواجهة شعب لا يمتلك إرادة المقاومة الصلبة].
هذه الجملة الأخيرة تهمنا جدا، فنحن في حالة (إلا) هذه، الحمد لله نحن المسلمين في حالة عزلة عالمية الآن، وفي عالم لا مبال بنا ولا بخسائرنا نهائيا، وأمام شعوب إسلامية لا تزال فاترة جدا، وغير داخلة في الصراع، ولذلك أعتقد أن النموذج الأيرلندي من أبعد النماذج عن التطبيق في بلاد المسلمين، على عكس النموذج الصيني، ومتوسط في البعد بيننا وبينهم النموذج الكوبي.
ولا يمكن أن تعتمد على عملية إثارة العدو أو متاعب سياسية من خلال ضغط إعلامي عنده، أو ناس سيصيحون لصالحنا أو صحف ستكتب، لأنه ثبت أن مجازر بعشرات الآلاف لم يُتكلم فيها، هُدمت مدن بكاملها لم يُتكلم فيها ولا جاء فيها خبر، مدينة حماة نصفها القديم كلها دُمر عن آخرها لم يتكلم أحد،
(1) المقصود العدوان الثلاثي: البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي على مصر، في العام 1956.