فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 147

لا شك أن أطروحة إيران الزاعمة بأنها لم تفاجأ بالثورات الشعبية، باعتبارها، كما يقول صالحي «نتاج الصحوة الإسلامية في العهد الراهن» ، لم تعد ذات جدوى، بعد أن أتت عليها الثورات الشعبية من الجذور، وأطاحت برصيدها في العالم الإسلامي إلا من بعض الدوغمائيين من القوميين العرب، ورموز إسلامية لو وجد بعضها له موطئ قدم في مكان آخر لما بقي أحد منهم يندب حظه العاثر أمام العتبات المقدسة. بل أن الثورات العربية التي أطاحت بالأيديولوجيا الناعمة لتصدير الثورة، أغلقت الأبواب أمام إيران، ودفعتها لمزيد من الانكشاف عبر التدخلات المباشرة، وقيادة الثورات الطائفية المضادة، إلى الواجهة، وباستعمال مكشوف لكافة أدوات القوة، الأمنية والعسكرية والديمغرافية، وعبر تفعيل الطابور الخامس من طوائف الشيعة في العالم الإسلامي، والزج بهم في مواجهات طاحنة.

لذا؛ لم يعد لإيران أية فرصة للحديث عن محور مقاومة وممانعة، وهي التي سلمت أفغانستان والعراق لـ «الشيطان الأكبر» وصغاره، وهدمت سوريا، وشردت أهلها وأعملت فيها مذابح صفوية، وانقضت على الثورة اليمنية عبر حركة الحوثيين، واستولت على العراق ولبنان، وتهدد بالمزيد من التوسع.

ولا يمكن لإيران أن تتوارى خلف أطروحة المقاومة والممانعة، وحرب «المستضعفين» ضد «المستكبرين» ، وهي تعترض مسار الثورات العربية بوحشية دموية، خاصة في سوريا والعراق واليمن، وفي نفس الوقت تخوض، مع أدواتهان حروبا توسعية تصفها بـ «المصيرية» تارة و «الوجودية» تارة ثانية و «الدفاعية» تارة ثالثة.

ولا يمكن أن تتأسى الثورات العربية بنموذج ثورة الخميني، لتصبح، هي والأمة، مطية للتوسع الفارسي

المجوسي، وسبيلا لهدم الإسلام ... تلك الثورة التي يزعمون أن الله عز وجل «يريدها شيعية المنطلق إسلامية الصيغة عالمية الأهداف» .

باختصار؛ انتهى عصر الخداع. فكان على إيران أن تختار بين الهزيمة المنكرة التي تلقتها من الثورات الشعبية أو الانكشاف التام، والتوجه نحو الداخل الإسلامي بكل ما أوتيت من أدوات للقوة، وتحالفات صريحة مع النظام الدولي. فكان الخيار الثاني بدايةً لصراع علني سياسي انتقامي حاقد، يستلهم وقائعه التاريخية من مكانة الإمبراطورية الفارسية قبل الإسلام، وما حل بها من زوال في بداية التاريخ الإسلامي. لكنه صراع، وإنْ شعر بقليل من النشوة والطموح في التوسع، بذات الحيثية التاريخية التي كانت تتوسع بها الإمبراطورية الفارسية، إلا أنه يظل مشوبا بالخوف والقلق في ظل معادلة «لا كسرى بعد كسرى» . فلنتابع أبرز مفرداته عبر بعض التصريحات لقادة إيران ومعمميها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت