فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 147

ثالثا: بعض الملاحظات

1)بالتأكيد لم يكن ظهور ابن سبأ المفاجئ قدرا وسط توغل فتنة «الخوارج» ، حتى عجز أكثر الصحابة عن ردع غلوائها بحق الخليفة عثمان، واعتزال البعض الآخر، وإصرار الخليفة على رفض الاقتتال، إلى أن دفع حياته ثمنا لها، ومن بعده علي بن أبي طالب وابنه الحسين. كان ابن سبأ كالوزغ ينفخ في كير الفتنة في كل اتجاه، بدءً من التحريض على قتل عثمان، مرورا بالترويج لأطروحاته في «الولاية» و «الرجعة» ، وانتهاء بتأليه علي. ولعله من الطريف أن علماء الشيعة ومؤرخيهم الذين أوردوا روايات علي بن أبي طالب وأبنائه، في الإنكار على ابن سبأ، واستتابته ولعنه، وتهديده بالحرق، ونفيه، هم أنفسهم الذين قالوا بأن ابن سبأ هو أول من نادى بعقيدة «الإمامية» و «الرجعة» وألوهية علي!!! وأنه بعد مقتل علي جاهر بعقائده وصارت له طائفة تشعبت عنها الغالبية الساحقة من فرق الشيعة والرفض.

2)من الطريف ملاحظة أن بولس يقول في (أعمال الرسل) أنه تم إرساله إلى دمشق من قبل حاخامية القدس!!!!! ومع أن روايته عن تنصره تعرضت للطعن والتشكيك، إلى حد اتهامه باختلاقها، إلا أن إيراده لهذه الجزئية، تؤكد أنه لم يتجه نحو دمشق بوازع من نفسه. فهو يتحدث عن مهمة، أوكلت إليه من قبل المؤسسة الدينية «اليهودية» . والأنكى من ذلك أن بيت المقدس، في وقته، كانت تحت الحكم الروماني، حيث لا صلاحية ولا سلطان لليهود، كي يتصرفوا بمعزل عن السلطة القائمة. وهو ما لاحظه الشافعي في دراسته عن «بولس وأثره في النصرانية» [1] . كما أنه ما من ثقل عقدي لليهود في الشام في ذلك الوقت! فلماذا ذهب إذن؟ لا شك أن السؤال يُطرح في سياق تنصره المفاجئ. فإنْ كان بولس في مهمة؛ فهل جاء ابن سبأ منفردا، بلا أية مهمة!؟ وفي المحصلة؛ هل ثمة فرق فيما أنجزه الشخصان بحق «النصرانية» والإسلام؟

3)مشكلة بولس، بموجب رسائله و (أعمال الرسل) ، أنه لم يكن فعلا يهوديا على شريعة موسى كما نزلت عليه، ولا صار مسيحيا كما كانت قبل تحريفه إياها! وكذلك الأمر حال ابن سبأ. فلا هو بيهودي يعرف ولا هو بمسلم. وكل ما فعله هو نقل التحريفات «اليهودية» و «النصرانية» ليؤسس بها دين «الإمامية» ، كما أسس عزرا بن سرايا، من قبل، التوراة والتلمود في بابل، بتشجيع من قورش الفارسي، كما سنرى لاحقا. ومثل هذه الأفعال ليست سوى إعلان حرب على الله ورسله وأنبيائه والمؤمنين. بل أن حال اليهود والنصارى والرافضة، صار كحال أبي جهل، الذي جاءت دعوته، برفض الحق، في آيات قرآنية تتلى إلى قيام الساعة: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، (الأنفال: 32) . إذ لا فرق في الشكل والمضمون، بين هذه الآية وما يقوله الجزائري من: «إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا» ، أو المجلسي: «إننا لا نعبد إلهًا يقيم بناء شامخا للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه» .

من جهته؛ يعقد ابن عبد ربه في (العقد الفريد 2/ 250) ، مقارنة بليغة بين «اليهودية» و «الإمامية» حين يقول: «إنهم يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم، وقد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم عبد الله بن سبأ،

(1) مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت