حوافظ الناس من الأفيستا وأكملوا هذا العمل في القرن الثالث ثم القرن الخامس» [1] . ويقول باحث آخر: «كتاب الزرادشتيين المقدس الأفيستا (= الأبستاق (Avesta، لم يصل لنا منه إلا شذرات» [2] ... هكذا؛ مجرد «حوافظ الناس أو «شذرات» !!!
أما عالم الآثار، والمؤرخ الإيراني، بوريبرار، فيحسم الأمر بأبلغ منطق علمي حين يقول: «يوجد لدينا في إيران عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين، ... لا يوجد في هذه النقوش أي كلام عن زرادشت وكتابه أفيستا ... وعلى الذين يدعون بوجود زرادشت وكتابي أفيستا وزند، أن يقدموا وثائق تاريخية تثبت هذا الأمر. فهؤلاء الذين يدعون بوجود أديان أو حكمة في إيران القديمة أو أي شيء ثقافي أو حضاري قبل نشوء الإسلام، لم يقدموا أية وثيقة، ولا أية نقوش، صخرية، ولا حتى مسكوكة نقدية، حيث من دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال إلى أساطير» .
هذه القراءات المحبطة للمجوس وكذا للباحثين عن التشكيك في الإسلام، تفسر إلى حد كبير تشابه الكتابات حول الديانات «المجوسية» . فالمعلومات المتوفرة شحيحة للغاية. وتبعا لذلك فإن أغلب الكتابات تتميز بالعمومية المفرطة. وعليه فبالكاد يمكن معاينة الخطوط العريضة لأكبر الديانات الرئيسية التي شاعت في فارس وبابل قبل الميلاد وغداته.
ديانة فارسية ثنوية، أسسها زرادشت في القرن السادس قبل الميلاد [3] . وتقوم أساسا على فكرة الصراع بين الخير ممثلا بإله النور، «أهورا مزدا» ، والشر ممثلا بإله الظلام أو الشيطان، «أهرامن» . ويصلي أتباعها خمس صلوات، ويعتبرون النار والماء والأرض هي محور الأحداث بين الناس. ولهم كتاب موحى إلى زرادشت يسمى «الأبستاق» أو «الأفيستا» ، وهي كلمة فارسية تعني الأصل أو المتن. وتتباين المصادر حول الزمن الذي ظهر فيه الكتاب، بل حول الزمن الذي ولد فيه زرادشت. فالبعض يقول بأن الكتاب لم يظهر قبل القرن الثالث الميلادي، والبعض يتحدث عن القرن الخامس. أي بعد نحو ألف عام من ظهور الديانة. والثابت أنه لم يبق منه ولا من شروحه إلا ما عثر عليه عالم الآثار الفرنسي دوبرن، أوائل القرن العشرين، وقام بنشره وترجمته. ويشتمل على خمسة أسفار لا تتعدى في جملتها ربع الأفستا الأصلي، والثلث في أحسن القراءات. أما الأسفار الخمسة فهي: (1) سفر أليسنا ومعناها العبادة، و (2) سفر ألوسبرو أو الفسبرد، و (3) اليشتان أي الترنيمات أو المزامير، و
(1) جفري بارندر، «المعتقدات الدينية لدى الشعوب» ، عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام، ط 1/، عدد 173، 1993، ص 394، الهامش الرابع.
(2) أديب صعب، «الأديان الحية: نشوؤها وتطورها» ، دار النهار للنشر، بيروت - لبنان، ط 3/ 2005، ص 12.
(3) (الشائع القول بأن الزرادشتية هي المجوسية. وأن المجوس هم عبدة النار. لكن المجوس يقدسون النار ولا يعبدونها، وهم في الأصل قبيلة تنتمي إلى الميديين الذين سكنوا أواسط آسيا قبل الميلاد، وهم الذين أسسوا، بمعية قبائل الفرس، الإمبراطورية الأخمينية في فارس. والأقوى عالميا في ذلك الوقت.