فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 147

يقول الشهرستاني في «المزدكية» أن مزدك: «أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ» [1] . ومن الطبيعي أن ينظر البعض إلى أن أول من سيرحب بمثل هذه الدعوة هم الغوغاء الذين عانوا الفساد والظلم والحرمان وكذلك الأغنياء والمترفين من طبقات الحكم وحتى الملوك. لذا كان من المثير أن تزيح «المزدكية» «الزرادشتية» عن عرشها، وتغدو الدين الرسمي للدولة الساسانية! ولا شك أن هذه الحظوة تمثل أبلغ دلالة على الفوضى العارمة التي ضربت الدولة من رأسها حتى أخمص قدميها، حيث تسود الرذائل والشهوات، وتسمو على كل فضيلة وقيمة أخلاقية. فما الذي يمكن توقعه في مثل هذه الحال الذي تصبح عليه الأمم؟

يجيب الطبري واصفا المشهد: «افترص السفلة ذلك، واغتنموا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره، فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا على تزيين ذلك، وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلًا، حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به» [2] .

لم تنته «المزدكية» بعد القضاء عليها. فقد انزوت، وغدت تعمل تحت الأرض. وما لبث أن خرجت منها فرق عديدة، خاصة حلال الحكم العباسي. ولعل من أبرز مخلفاتها المدمرة كانت فرقة «الخرمية» التي أخذت تتوسع، حتى أتعبت الخليفة المأمون، فقضى وهو يوصي بالقضاء عليها، مهما كلف الأمر، وكذا فرق «الخرمدينية» و «المحمرة» و «المبيضة» وحتى فرق «القرامطة» و «الحشاشين» . وهذه الأخيرة تكاد تكون نسخة أشد سوء من «المزدكية» في موضوع الإباحية.

للإمامية طبقة إكليروس تسمى «المرجعية الدينية» ، كما لـ «الزرادشتية» و «المانوية» و «اليهودية» و «النصرانية» ، وعلى العامة واجب الطاعة لها. وحيثما قلبنا الأمر فلن نجد في المصنفات «الإمامية» والفتاوى والمرئيات والمسموعات والخطب والوعظ والإرشاد، قال الله، وقال الرسول، بقدر ما تواجهنا عبارات من قبيل قال: «الإمام الأكبر» ، و «الإمام الأعظم» ، و «القائم» ، و «الغائب» ، و «الحجة» ، و «الوصي» ، و «الآية العظمى» ، .... بالإضافة إلى دعوات من نوع: «قُدس سره» ، و «عجل الله فرجه» ، و «عليه السلام» ، و «جعلت فداه» ، .... . ومن الواضح أن الدين، في مثل هذه الحالة، يؤخذ من القائمين على الكهنوت، ومرجعياتهم واجتهاداتهم وتأويلاتهم وتفسيراتهم، وليس من الكتاب الذي يزعمون أنه محرف إلا بما يوافق هواهم، ولا من السنة، التي لا يعترفون بها أصلا.

(1) الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، «الملل والنحل» ، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط 2، ص 86.

(2) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، «تاريخ الطبري» ، عمان - الأردن، بيت الأفكار الدولية. ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت