تؤمن «الإمامية» بوجود اثني عشر إماما، أولهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وآخر ذريته محمد المهدي. وهذا الأخير هو في الحقيقة «المهدي المنتظر» عند الشيعة. وتزعم الرواية الشيعية أنه غاب غيبتين:
الأولى: هي التي تسمى بـ «الغيبة الصغرى» . وتبدأ منذ لحظة ولادته، التي كانت سنة 255 هـ، أو بوفاة والده الحسن العسكري سنة 260 هـ. واستمرت إلى سنة 329 هـ. أي مدة 69 سنة. كان الإمام خلالها يتواصل مع شيعته عبر ما سمى بـ «السفراء الأربعة أو النواب أو الوكلاء» .
الثانية: هي «الغيبة الكبرى» ، فتبدأ من سنة 329 هـ إلى حين ظهوره. وتبعا لذلك فقد انقطع التواصل بينه وبين شيعته. ولم يعد ثمة سفراء ولا وكلاء يشكلون أية حلقة وصل بينه وبين شيعته. ويرجع سبب هذه الغيبة إلى خشيته من القتل على أيدي العباسيين الذين كانوا يتربصون به، ويفتشون عنه حتى قبل ولادته لقتله. ونظرا لتعاظم الخطر على حياته فقد اضطر إلى الاختفاء في سرداب بمدينة سامراء العراقية، حيث ولد هناك.
وتُعلق «الإمامية» كل دينها على هذه الأسطورة. فلا جهاد ولا صلاة جمعة ولا هذا ولا ذاك إلا أن يظهر «الإمام الغائب» . أما لماذا فكرة «الإمام الغائب» هي محض أسطورة؟ فلأن الإمام العسكري كان عقيما أصلا! ومات شابا ولم ينجب قط. ولم يرد ذكر «الغائب» في المصنفات التارخية بقدر ما أكدت على عدم ولادته وعقم والده المفترض. والعجيب أنه ولد واختفى في الوقت الذي ظهرت فيه الدولة البويهية (322 هـ - 454 هـ / 933 م - 1066 م) ، حيث كان بإمكانه الاحتماء بها من أعدائه وخصومه المفترضين. كما كان بإمكانه الاحتماء بالدولة العبيدية. وتوفرت له فرصة أعظم حين ظهرت الدولة «الصفوية» (1501 م - 1736 م) ، باعتبارها أول دولة شيعية إمامية! بل أن الفرصة مواتية لظهوره الآن في عهد دولة «ولاية الفقيه» ! ومع ذلك لم يفعل. فلماذا؟
الجواب ببساطة: لأنه وهم، غير موجود إطلاقا. أما «المهدي المنتظر» فهو شخصية كائنة لدى «اليهودية» و «النصرانية» والإسلام. وأحاديث الملاحم والفتن كثيرة في كتب الرواة، لكن المسلمين لا يتوقفون عندها كثيرا، ولا يعلقون إقامة الدين عليها، بخلاف «الإمامية» . ولا ريب أن أعجب ما في الأمر أنه بدلا من دعوته للخروج من سردابه جاءت «الصفوية» و «الخمينية» لتحكم الإغلاق عليه عبر فكرة «ولاية الفقيه» ! وغدا الاجتهاد في وراثة صفاته وقدراته وفضله ومصادرة صلاحياته مغنما [1] ! حتى أنه لم يبق له من الأمر شيء إلا أن يتوسل تحريره أو ينتظر الفرج! وهذه نتيجة منطقية لنظرية «الإمامية» ، باعتبارها حركة إدارية للمذهب في مواجهة الإسلام،
(1) تقول الشمراني في رسالتها: في السابق كانوا يصفون أئمتهم بصفات الكمال البشري، فبعد أن كان الإمام: «أفضل من جميع رعيته في صفات الكمال كلها من الفهم والرأي والعلم والحزم والكرم والشجاعة وحسن الخلق والعفة والزهد والعدل والتقوى والسياسة الشرعية ونحوها، وبكلمة يلزم أن يكون أطوع خلق الله لله، وأكثرهم علما وعملا بالبر والخير» *، أصبح الفقيه النائب عن الإمام هو من يتصف بهذه الصفات. أما إذا تطورت نظرية ولاية الفقيه في الأزمنة القادمة، فإن هذه الصفات حتما ستتغير وتتطور كي تناسب النظريات المستجدة بعد ذلك. عودة إلى: زهرة جمهور علي الشمراني، «التشيع الفارسي وموقفه من المخالفين» ، مرجع سابق، ص 232. *: نقلا عن: ( «تلخيص الشافي للطوسي» ، ص(320) ، و «دلائل الصدق للمظفر» ، ج (2) ، ص (17) ، نقلا عن «الشيعة في الميزان» ، محمد جواد مغنية، ص (4 ) ) .