بخلاف «الزرادشتية» ؛ التي تحولت إلى دين الخاصة، فإن «المانوية» ديانة عمادها الزهد في ماديات الحياة وملذاتها. ولقربها من العامة، فقد لاقت رواجا وانتشارا، بلغ الهند وبلاد الغال والصين والتيبت وتركستان وسيبيريا وإيران حتى إيطاليا. وتبعا لذلك فقد شكلت التحدي الأخطر للزرادشتية، التي اعتبرت مؤسسها زنديقا. وتبعا لذلك فقد انتهى الأمر بصلبه وقتله على يد بهرام بن هرمز.
أسسها ماني، المولود لأب صابئي الديانة، ولأسرة إيرانية عريقة في ولاية ميسان ببابل سنة 215 أو 216 بعد نزول المسيح (. انطلق ماني في بداية دعوته، زمن الملك أردشير، من بابل نحو بلاد فارس وبلوشستان والهند. ولم تغب عنه ديانة إلا درسها، من «الزرادشتية» و «البوذية» و «الهندوسية» ، إلى «اليهودية» و «النصرانية» . لذا فإن ديانته هي خليط من كل الأديان السائدة أو المعروفة حتى ذلك الحين [1] . فقد اعتنق «النصرانية» ، وشرع في بناء الكنائس، وادعى أنه «البارقليط» ، الذي بشر به السيد المسيح (، وأخذ عنها عقيدة التثليث. لكنه لم يوفر ديانة أو فلسفة في طريقه، إلا ونهل منها. فأخذ عن «البوذية» عقيدة الحلول والاستنساخ، وعن «اليهودية» السرية والكتمان والتنظيم. أما «الزرادشتية» فهي جوهر ديانته.
فالإله عند ماني هو الخير والنور، فيما الشيطان هو الخطيئة والظلام. وللخطيئة ثلاث وسائل هي: (1) القلب «النية» و (2) الفم «الكلمة» و (3) اليد «الفعل» . ومن وصاياه: «لا ترتكب الخطيئة, لا تنجب, لا تملك, لا تزرع ولا تحصد, لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا» . وللديانة طبقة كهنوتية منظمة، تنقسم إلى أربع مراتب هي: (1) الحواريون، وعددهم 12، و (2) الشماسون، وعددهم 72، و (3) العقلاء، وعددهم 360، و (4) الصديقون غير محدودي العدد، و (5) السماعون، وهم العامة من الناس، المكلفون فقط بالصلاة أربع مرات يوميا، والسجود 12 مرة في كل صلاة، وصوم شهر نيسان من كل عام, ودفع العشر والزكاة، وتقديم الغذاء للصديقين [2] .
نسب آرثر كريستنسن، أحد أشهر المتخصصين في التاريخ الفارسي، أقوالا لماني في الكتاب المقدس للمانوية، المسمى «شابورغان» ، يقول فيها: ? إن الحكمة والأعمال هي التي لم تزل رسل الله تأتى بها في زمن دون زمن، فكان مجيئهم في بعض القرون على يدي الرسول الذي هو «البد» (بوذا) إلى بلاد الهند، وفى بعضها على يدي «زرادشت» إلى أرض فارس، وفى بعضها على يدي «عيسى» إلى أرض الغرب. ثم نزل هذا الوحي وجاءت هذه النبوة في هذا القرن الأخير على يديَّ أنا «ماني» رسول إله الحق إلى أرض بابل?. ولما كان يبشر بدينه في الهند، كان يردد: «إني جئت من بلاد بابل
(1) آرثر كريستنسن: «إيران في عهد الساسانيين» ، القاهرة - مصر، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام، ط 1/ 1988 م، ص 180. وكذلك علي شريعتي الذي يعتبر المانوية مزيجا من عقائد الزردشتيين واليهود والمسيحيين. د. علي شريعتي، «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» ، بيروت - لبنان، دار الأمير، ط 1، 2002، هامش 2 / ص 57.
(2) سليم مطر: «المانوية البابلية .. أساس التصوف العراقي» ، على الشبكة: http://cutt.us/sFWUh