المبحث الأول
الفتح الإسلامي وصعود القومية الفارسية
كانت الإمبراطورية الفارسية، من حيث القوة والنفوذ والسيطرة، إمبراطورية عالمية وليست إقليمية، وفي حالة تنافس وصراع دائم مع الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وبطبيعة الحال كانت تعتبر نفسها سيدة، فيما رعاياها من الشعوب الأخرى عبيد [1] . وكانت متواجدة في شمال الجزيرة العربية وجنوبها، ومسلحة تسليحا قويا، عدةً وعتادًا، وذات خبرات عريقة في السياسة والتنظيم والحرب، حتى أن العرب، في ظل الإسلام، ظلوا يهابون سطوتها وغضبها. لذا لم يكن أحد من الفرس، أو غيرهم، ليتخيل قوة ما، تعلن الحرب على إمبراطورية بهذا الحجم والقسوة، فكيف بمن لا يملكون أدنى مقارنة من المسلمين؟ وكيف بهم يهددون عرش فارس، وهم بالكاد خرجوا من حروب الردة؟ بل ويهدمونه إلى غير رجعة؟ وينجحون في التأسيس لنواة إمبراطورية عالمية عابرة للقارات، في فترة قياسية لا تتجاوز 13 عاما، بدأت مع الصدّيق وانتهت بعمر ابن الخطاب، خلال الفترة ما بين 11 هـ -633 م / 23 هـ - 644 م!!!؟
(1) لما قام الصحابي عبدُ الله بن حُذافة السهميّ بنقل، رسالة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى كسرى، وتلاها عليه، رد كسرى غاضبا، ومزقها، ثم قال: «عَبْدٌ مِنْ رَعِيَّتِي يَكْتُبُ اسْمُهُ قَبْلِي» ، وسبَّ النبيّ. فلمَّا بلغه، صلى الله عليه وسلم، فعل كسرى وقوله، دعا عليه قائلا: «مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ» . أما نص الرسالة النبوية فقالت: «بسم الله الرحمن الرحيم. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ» .