بعد تآمرهم على إسقاط الدولة الأموية (41 هـ - 132 هـ / 662 م - 750 م) ، وهي في أوج قوتها، وبجهود الانقلاب الذي قاده أبو مسلم الخراساني [1] على نصر بن يسار، آخر ولاة خراسان من بني أمية، تسلم العباسيون الحكم (750 - 1517 م) . ولأن العباسيين ورثوا الفتنة، فقد حكموا بمنطق الخصومة للأمويين، الأمر الذي مكن الروافض وموالي الفرس وكل الخصوم، بقيادة أبو العباس السفاح، من تصفية الحسابات مع (1) بقايا الأمويين وقتلهم، وفي مرحلة لاحقة مع (2) العباسيين أنفسهم، وأخيرا مع (3) الإسلام. لذا ففي عهدهم الطويل تعرضت الدولة الإسلامية لاختراقات غير مسبوقة على يد الروافض.
ففي بدايات الدولة الأموية كانت الضرورة تقتضي وأد الفتنة، والعمل على بناء الدولة، والانطلاق نحو فتوحات واسعة تستهدف نشر الإسلام. لذا فقد تعامل الأمويون بحذر مع الموالي من الأعاجم فيما يتعلق بمراكز السلطة والقرار، دون أن يأبهوا لردود الفعل. لكن في العهد العباسي، حيث بلغ الاحتقان مداه، انحاز هؤلاء إلى العباسيين، بدعوى أنهم هاشميون، من آل البيت. أما وصولهم لمراكز السلطة والقرار، فيرجع إلى المصاهرات مع العرب، وبالتالي تأثُّر العباسيين بالثقافة الفارسية في السياسة والحكم. لكن؛ وكما كانت الإمبراطورية الفارسية، في زمن الإخمينيين والساسانيين، أضحت الدولة العباسية، مع طول الأمد، عبارة عن مراكز أو إمارات أو دول شبه مستقلة، حتى وإنْ بقيت تحت ولايتهم اسما. وكما يقول د. طه الدليمي فقد ظهرت في عهد العباسيين ظاهرة «الخليفة العربي والوزير الفارسي «. فالسلطة الإدارية والاستشارية، على الأقل، باتت بيد الأعاجم من الفرس. وهو اختراق مجوسي مهد الطرق لولادة الإمارات والدول المستقلة، في أنحاء العالم الإسلامي، ومكن الشعوبيين وتيارات الزنادقة والإلحاد والإباحية من الاستيطان في رحم الدولة العباسية، ونجحوا في تفتيتها ثم تفكيكها خلال الغزو التتري بخيانة دبرها وزير الخليفة المستعصم، ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي. ومن أبرز الدول والحركات التي ظهرت في عهدهم، مهدت لظهور الدولة «الصفوية» (1501 م - 1736 م) ، يمكن ذكر:
أيا كانت التوصيفات التاريخية بحق الدولة الطاهرية فستبقى تمثل أول اختراق تاريخي في جسم الدولة الإسلامية. فقد خرجت فعليا من تحت سلطان الخلافة وإنْ بقيت تدين لها صوريا. وهو ما كان مستحيلا تحقيقه خلال العهد الأموي الذي استمر 91 عاما. لكنه تحقق في العهد العباسي، ومثَّل سابقة تاريخية، ستشجع آخرين على انتهاج ذات السبيل في الخروج على الخلافة، وتأسيس دول مدمرة، ومعادية للإسلام والمسلمين. بل وستسمح هذه السابقة بظهور عشرات الدول والفرق المنشقة والمحاربة للدين.
ثانيا: الدولة الصفاريه (254 هـ -290 هـ / 868 م - 903 م)
(1) (زعم أنه آخر أحفاد الأكاسرة، وتارة ابن غير شرعي لبني عباس. والأرجح أنه لم يعرف له أصل ثابت، فضلا عن تعمده التكتم على اسمه الحقيقي وتغيير كنيته، وتشيعه مبكرا. وقتَل نحو نصف مليون عربي في خراسان. تنبه له الخليفة أبو العباس السفاح، واستدرجه وقتله.