(6) وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية و «إسرائيل» يقول الباحث: «ربما كان البند الأكثر إثارة للدهشة، ذلك المتعلق بعرض إيران القبول بإعلان بيروت الصادر عن القمة العربية؛ أي خطة السلام التي أعلنها ولي العهد السعودي في مارس/آذار 2002، والتي عرض العرب بموجبها إبرام سلام جماعي مع إسرائيل، مقابل موافقة إسرائيل على الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة والقبول بدولة فلسطينية بالكامل، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. من خلال هذه الخطوة، ستعترف إيران رسميا بالحل القائم على دولتين» [1] .
المبحث الثاني
الاتجاه نحو الداخل
علاوة على الإرث التاريخي لفارس «المجوسية» ، فقد بلورت جمهورية «ولاية الفقيه» أيديولوجية تتلاءم مع الواقع الدولي. وبدت الجمهورية، في أطروحتها التوسعية، نسخة طبق الأصل عن أطروحة «صك الانتداب» (1920) ، الذي سبق وبلورته بريطانيا وفرنسا عشية الحرب العالمية الأولى، تحت غطاء ما أُسمي بـ «عصبة الأمم» ، بهدف استعمار ما صُنِّف بـ «العالم الثالث» ، ووفقا لوثيقة الصك التي زعمت أن «رفاهية وتطور هذه الشعوب تشكل أمانة مقدسة في عنق المدنية» . كما لم تختلف أطروحتها عما فعله الاتحاد السوفياتي في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وتبنيه لأطروحة «حق تقرير المصير» ، ودعم حركات التحرر والتمرد في العالم الثالث. وغني عن البيان، بعد نحو مائة عام، أن أطروحة الانتداب لم تكن سوى أبشع عملية إبادة ونهب دولي منظمين، مثلما كانت «الماركسية» مجرد أيديولوجيا للتوسع والهيمنة، فضلا عن تمكين الاتحاد السوفياتي، بالدرجة الأساس، من الاضطلاع بدوره الوظيفي في قيادة «المركز» وفرض الرقابة على مناطق التوتر في منطقة «الهامش» . فما هي الأيديولوجية التي هندستها إيران لاختراق قلب «الهامش» الدولي؟
يتحدث الدستور الإيراني في مقدمته عن «تصدير الثورة» و «نصرة المستضعفين» و «حكومة المستضعفين في الأرض» و «المحرومين» و «المضطهدين» ، فيقول: «بالنظر إلى محتوى الثورة الإسلامية في إيران، التي كانت حركة تهدف إلى نصرة جميع المستضعفين على المستكبرين، فإن الدستور يعدّ الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصًا بالنسبة لتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلاميّة والشعبيّة حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} 92: 21] [ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم» .
وفي المادة 154 من الفصل العاشر، قسم السياسة الخارجية، يبدو وكأن المشرع استعان حتى بمفردات «
صك الانتداب»، حين يقول: «تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقًا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران
(1) تريتا بارزي، «التحالف الغادر» ، مرجع سابق، ص 123.