الآن فقط، وعلى مدار المباحث الثلاثة السابقة، يمكننا أن نفهم حقيقة الثورة الإيرانية واستيلاء «الولي الفقيه» عليها. حقيقة المشتركات التاريخية والبنيوية بين الأديان «المجوسية» و «اليهودية» و «النصرانية» و «البوذية» و «السيخية» و «الهندوسية» من جهة، و «الإمامية» وفرقها ودولها من جهة أخرى. ولو أن المناهج التربوية والعلمية والمعرفية السائدة في العالم الإسلامي، والتي أفرزها عصر الجبر، كان بها أو برموزها ومؤسساتها، من المسجد إلى الجامعة، ومن الموالاة إلى المعارضة ومن الحكام إلى الثورات والحركات الوطنية، ذرة من الحقيقة لما استغفلت الأمة أو خدعت لعشرات السنين، ولما شرعنا بتقصي الحقائق، وتتبع العلاقات السرية والعلنية بين إيران ورموز النظام الدولي وقواه الحيوية في المنطقة كـ «إسرائيل» ، بعد أن بات الخطر في عقر الديار، ويحيط بالأمة من كل جانب، وسط نزيف دموي لن يتوقف بسهولة.
اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988) وسط شعبية عربية وإسلامية جارفة لإيران، وسخط شعبي كبير على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، خاصة في أوساط الفلسطينيين، الذين رأوا فيها ثورة إسلامية تنادي بتحرير فلسطين. ولما توقفت الحرب، بقبول إيران قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، أعلن الخميني أن تجرع السم أسهل عليه من الموافقة على القرار. بعدها بسنة توفي الخميني، لكن إيران بقيت تواصل الصعود على ظهر «حزب الله» الذي أطق مقاومة ضد الغزو «الإسرائيلي» للبنان سنة 1982. وتبعا لذلك لم يتوقف الصعود الشعبي إلا مع انطلاقة الثورة السورية سنة 2011!!! وغني عن البيان أن القضية الفلسطينية كانت بمثابة حصان طروادة الذي اعتلت ظهره «ولاية الفقيه» طيلة ثلاثين سنة، تحولت بموجبها إلى قوة إقليمية عاتية.
حدث هذا بالرغم من توفر عشرات المؤشرات والمعلومات والوقائع والوثائق التي توجب الحذر من إيران. بل أن الحقائق صارت بمتناول العامة من الناس! ومع ذلك ظلت شعبية إيران وحزب الله في تصاعد! ووصل الأمر إلى حد تخوين من يضع فلسفة إيران الفارسية وسياساتها ومواقفها وأدواتها موضع مساءلة، عشية الثورة وغداتها، في قضايا كالحوار الذي قاده وزير العدل الأمريكي، رمزي كلارك، مع الخميني في العاصمة الفرنسية عشية الثورة، أو أزمة رهائن السفارة الأمريكية (4/ 11/1979) ، أو العناية الفرنسية به ونقله على متن طائرة خاصة إلى طهران، وتغطية محطة الـ «BBC» البريطانية لوقائع الثورة الإيرانية وتحركات الخميني، أو الدور الطائفي التخريبي الذي لعبه موسى الصدر على الساحة اللبنانية خلال سبعينات القرن العشرين، أو دور حركة أمل في إشغال كتائب الثورة الفلسطينية وافتعال الاقتتال الداخلي معها، في جنوب لبنان لمدة عام قبل الغزو «الإسرائيلي» ، ومن ثم جمع السلاح من فلول المقاومة الفلسطينية خلال الغزو، دون أن تتعرض الحركة أو الشيعة لأي نزع للسلاح، أو شنها حربين وحشيتين، خلال سنة واحدة، على المخيمات الفلسطينية سنة 1985، أو انكشاف فضيحة شحنات الأسلحة «الإسرائيلية» لإيران سنة 1986، أو الحوارات التي لم تنقطع بين ولي الفقيه و «إسرائيل» وأمريكا، أو تدمير «إسرائيل» لمفاعل تموز النووي في العراق سنة 1982، أو مفاوضات العقيد زرابي، مدير المجمع العسكري بإيران، على صفقات الأسلحة مع نظيره «الإسرائيلي» بن يوسف في زيوريخ، والسماح لتقنيين