فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 147

من هذه اللحظة، بدأت «حركة التسوية» تتحول من حركة حقوقية إلى وعاء حاضن، ومنبت لكافة فرق الشعوبية الباطنية، وزنادقتها وسياسييها ورموزها الاجتماعية ومثقفيها، لاسيما في الأدب، بكل صنوفه من الشعر والقصة والرواية لتتحول إلى قيم وعادات وتقاليد وأخلاق، وتصب جام أحقادها على الإسلام والعروبة. ومن جهتهم؛ اضطلع علماء «الإمامية» ومؤرخيهم بتغذيتها، إلى أن تبنتها «الصفوية» (1500 - 1722) ونظمتها، وأشاعتها بقوة السلاح والمال والجاه والإغراءات، لتنتهي بما أطلق عليه علي شريعتي بـ «الاستحمار» . وهو المنهج الذي قدمه بالقول أن: «الشعوبية تحولت تدريجيا من حركة تسوية إلى حركة تفضيل العجم على العرب، وعملت عبر ترويج المشاعر القومية وإشاعة اليأس من الإسلام إلى ضرب سلطة الخلافة ... وبغية ترسيخ أفكارها وأهدافها في ضمائر الناس، وعجنها مع عقائدهم وإيمانهم، عمدت الصفوية إلى إضفاء طابع ديني على عناصر حركتها، وجرها إلى داخل بيت النبي، إمعانا في التضليل، مستغلة التشيع، لكي تضفي على الشعوبية طابعا روحيا ساخنا، ومسحة قداسة دينية، ولم يكن ذلك الهدف الذكي متيسرا، إلا عبر تحويل الدين الإسلامي وشخصية محمد عليه الصلاة والسلام، وعلي، رضي الله عنه، إلى مذهب عنصري، وشخصيات فاشية، تؤمن بأفضلية التراب والدم الإيراني، والفارسي منه على وجه الخصوص» [1] . لذا فالطبقات المتضررة من الإسلام و «الصفوية» ، المرتبطان ارتباطا وثيقا ومصيريا بـ «المجوسية» ، هما من يتحملان وزر إشاعة الشعوبية وترسيخها وليس العامة من الناس.

المبحث الثالث

تحالفات فارس و «اليهودية» في بابل

لكثرة ما بات موطنا للأديان الوضعية، فقد اشتهر المجتمع الفارسي بالتنافس بين أصحاب الديانات. ولكونها تتيح لأصحابها امتيازات طويلة الأجل، بسبب طابعها الوراثي، فقد اشتهر المجتمع الفارسي، المستعبَد أيضا، بكثرة الفتن والتوترات والثورات. لكن أميز ما بدا ثقافة فارسية متجذرة، إنما يتعلق بأولئك الأكاسرة والملوك ورجال الدين، الذين اكتسبوا خبرات عميقة في تحريف الأديان، حتى غدت حرفة ربما لم يسبقهم إليها، أو لم ينازعهم بجودتها أحد.

كتب ستانلي ويس في صحيفة «إنترناشيونال هيرالد تريبيون - 10/ 7/ 2012» الأمريكية يقول: «عندما زرت إيران كأميركي يهودي، أخبرني مسؤول إيراني أن إسرائيل الصهيونية هي أساس المشاكل في الشرق الأوسط، وأن وجود إسرائيل هو بمثابة وجود استعماري غربي في المنطقة يجب أن يزول ... أجبت إنها غلطة إيران. فلو لم يحرر سيروس العظيم اليهود من عبودية الفرس قبل 2500 سنة ويطلب منهم العودة إلى القدس وإعادة بناء معبدهم، لما كانت إسرائيل موجودة الآن. عندئذ غيّر المسؤول الموضوع» [2] . فما الذي جعل المسؤول الإيراني يغير موضوع الحديث؟ أو بالأحرى؟

إنها العلاقة التاريخية التي لا مثيل لها بين اليهود والفرس، زمن السبي البابلي الذي قاده نبوخذ نصر (بختنصر بالفارسي) ضد اليهود في فلسطين سنة 597 ق. م، ثم 587 ق. م. وبلسان اليهودي، ستانلي ويس، وفي

(1) د. علي شريعتي، «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» ، مرجع سابق، ص 122.

(2) ستانلي ويس، «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» ، 10 يوليو 2012، http://cutt.us/czwji

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت