فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 147

في ضوء هاتين المجموعتين يمكن فهم التوصيف الأول للشعوبية باعتبارها «حركة تسوية» . وهي حركة استندت في دعواها، بالدرجة الأساس، إلى الآية الكريمة، في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، (الحجرات: 13) . فمن المعروف أن الكثير من الموالي دخلوا الإسلام. وبخلاف بعض الآراء التي تتحدث، بلغة شعوبية، بقصد أو بدونه، وتتهم بموجبها الأمويين بأنهم تفاخروا بنسَبهم، ولم يعينوا في المناصب الكبرى غير العرب، فلم يكن من الممكن تسليم القيادة في بدايات الإسلام لغير العرب، ليس لأنهم الوارثون للنبوة، أو لأنهم أعلى وأجل من خلق الله، فهذا مما ينكره الإسلام، الذي أحل مفهوم الأخوة الإسلامية والتقوى، كمعايير للانتماء والتفاضل. بل لأن السابقون منهم كانوا (1) المصاحبون للرسول (، و(2) الشاهدون على النبوة، و (3) المجاهدون الذين ضحوا بأرواحهم لنصرة الدين، و (4) والحافظون للقرآن، و (5) العارفون بدقائق لغته، و (6) الحاضنون للرسالة، و (7) المحاربون للمرتدين من الأعراب والموالي بعد وفاة الرسول، و (8) رسل الدعوة.

هؤلاء وأمثالهم؛ هم الذين تحملوا العبء الأعظم في قيادة الإسلام والمسلمين، وخاضوا عشرات الغزوات، وبدؤوا الفتوحات العظيمة التي، أوصلت الإسلام إلى شتى أصقاع الأرض، كما نزل على محمد (، بلا زيادة أو نقصان أو تحريف. ليس هؤلاء، كما يقول البعض، هم الذين تفاخروا وتغطرسوا واستعلوا على غيرهم ممن دخل الإسلام، وتسببوا في مشاعر التمييز لدى الموالي الذين طالبوا بالمساواة والعدالة. وهي المطالب التي تبلورت لاحقا في مسمى «حركة التسوية» ، أي تسوية الحقوق بين العرب وغيرهم. هذا لا ينفي وجود مفاخرة من هنا وهناك وهي مشاعر طبيعية، كما لا ينفي تساكن بقايا العقل الجاهلي، في سنوات النزول، حتى مع بعض الصحابة، وهم لمّا يزالوا يتربون على الوحي، ممن ردعهم الرسول، كما حصل مع أبي موسى الأشعري حين دعا مولاه بابن السوداء، أو لما ردع عمر بن الخطاب بعض الصحابة حين تفاخروا بأنسابهم وبينهم سلمان الفارسي الذي قال بأن نسبي هو الإسلام. وحتى مع عمر نفسه لما قال له الرسول: «أَتُحِبُّنِي يَا عُمَرُ؟، قَالَ: أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ» .

وفي المحصلة فالطرفين، مبدئيا، معذورون في المشاعر والمطالب. وعليه فلا أصحاب «حركة التسوية» شعوبيون ولا السابقون كذلك. وتبعا لذلك لا يصح إطلاق توصيف «المجوسية» على الفرس لكونهم فرس، وإلا فستغدو الشعوبية وصفا ينسحب على كل ذي نزعة قومية أو حقوقية. وفي هذا الصدد يلفت الراوي الانتباه إلى أن: «الفرس ليسوا كلهم شعوبيين كما سعى دعاة الفكر القومي العربي أن يثبتوه» [1] . والحقيقة أن المشكلة تكمن في ثقافة العبودية التي تم نقلها، بكل حمولتها «المجوسية» والسياسية والاجتماعية، إلى الإسلام والعروبة على حد سواء.

(1) «ويكيبيديا الإخوان المسلمين» ، شخصية «عصام الراوي» . على الشبكة: http://cutt.us/bxpga

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت