فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 147

ثانيا: رعب «إسرائيل»

قد تبدو الدولة «اليهودية» بأحسن حال، في ظل التمزيق الذي تعانيه الدولة القومية في العالم العربي، والحروب الطاحنة التي تدور رحاها في عدة دول، وما خلفته من خسائر هائلة في الاقتصاد والاجتماع والبنى التحتية، المدنية والعسكرية. فلم يعد ثمة جيش عراقي ولا سوري ولا أي جيش عربي يمكن، بالمنطق اليهودي، أن يهددها. بل أن القضية الفلسطينية تراجعت سياسيا على كل مستوى، محلي وإقليمي وعربي ودولي. لكن هل انهيار المربط النصيري وتصعيد المربط الصفوي يصب في صالحها؟ أم يخصم من رصيدها؟

الواقع أن «إسرائيل» في حالة رعب يصل إلى حد الشعور بالتهديد الوجودي. ففي كل الأحوال، القانونية

والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، تبدو «إسرائيل» في حالة تراجع [1] ! وقد يعجب البعض من هذا التقييم،

لكنها الحقيقة التي يدركها اليهود منذ تأسيس الدولة. فمنذ السبي البابلي يعيش اليهود حالة استنفار دائم ليس خشية من العرب والمسلمين بقدر ما هي خشية من عقدة الذات التي تأبى الاندماج في أي جوار ثقافي أو حضاري، وما تخلفه من مشكلات مع البشرية لا تلبث أن تنفجر في شكل اضطهاد مستمر. وبعد إقامة الدولة «اليهودية» ، درج المسؤولون اليهود والمثقفين على ترديد عبارات كثيرا ما تكررت على ألسنتهم، من قبيل: «لن يحدث هذا بعد اليوم! نعرف كيف ندافع عن أنفسنا! ما جرى لنا علّمنا أن ندافع عن أنفسنا وحدنا» ! لذا؛ فقد سعت «إسرائيل» مبكرا لصناعة الأسلحة المتطورة فضلا عن حيازة السلاح النووي.

لكن ما يخيف «إسرائيل» اليوم ليس البرنامج النووي الإيراني. فليس بين فارس واليهود صراع وجودي بقدر ما كانت العلاقة على الدوام ودية أكثر مما هي علاقة اليهود بأوروبا وبقية دول العالم. بل أن التراث اليهودي العقدي برمته يدين بوجوده إلى فارس ذاتها. كما أنه ليس بين فارس الأمس وفارس اليوم صراعا وجوديا، مثلما أنه لم يكن ثمة صراع وجود بين روما الأمس وروما اليوم. وبمنطق المصالح وأخلاق الحرب، لم تكن الإمبراطورية الرومانية فرحة بزوال الإمبراطورية الفارسية. وهنا بالضبط تكمن نقطة ضعف «إسرائيل» ، وخشيتها التي تصل إلى حد الرعب من بناء المربط الصفوي الفارسي. فهو في كل الحسابات سيكون خصما من رصيد المربط اليهودي. فما من كبير جدوى من المربط اليهودي إذا ما تضخم المربط الصفوي، الذي دائما ما كان يدفع فارس إلى التوجه نحو الداخل الإسلامي، فضلا عن أن «اليهودية» العالمية ستخسر خاصة وأنها باتت تشكل عبءً بالغ الخطورة على الرأسمالية، بالإضافة إلى تآكل منظومة الشرعيات الاجتماعية والسياسية والقانونية والدولية التي حكمت المنطقة خلال المائة سنة الماضية. وهذا يتطلب قوى جديدة أكثر فاعلية من القوى الحالية التي استهلكت فاعليتها وجدواها بفعل ممارساتها المتوحشة طوال عشرات العقود الخالية.

على مقربة من توقيع اتفاق نووي مع إيران أعلن رئيس حكومة «إسرائيل» ، بنيامين نتنياهو، عن زيارة للولايات المتحدة الأمريكية، يلقي خلالها خطابا أمام الكونغرس الأمريكي، يحذر فيه من خطر توقيع الاتفاق. كانت الزيارة

(1) وفقا لقراءات عقدية وتاريخية أولية، يبدو أن كل مواجهة حاسمة مع اليهود مرتبطة إلى حد ما باكتمال بناء «الغيتو» ، إما طوعا أو كرها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت