آخر المحاولات «الإسرائيلية» لعرقلة الوصول إلى اتفاق. وفي 2/ 3/2015 قال نتنياهو في خطابه: «إذا كان العالم حريصا على أن تكون إيران جزءً من المجتمع الدولي فلا بد من ضمان ألا تكون مصدرا للإرهاب والرعب لجيرانها وللعالم بأسره» ، واتهم إيران بغزو العديد من بلدان الجوار، مشيرا إلى أنها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية. لكن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، رد عليه في اليوم التالي بالقول: «إن خطاب نتنياهو مكرور وممل .. كرر كل أنواع الاتهامات والأكاذيب ضد إيران في خطابات سابقة ... إنه يسعى للتأثير سلبا على المحادثات الجارية بين إيران والقوى الكبرى وهو لا يستطيع ذلك لأن التوتر لا يفيد أحدا» . ولأن نتنياهو يعلم أنه يكذب؛ ويعلم أن التاريخ لا يكذب، وأن العلاقات «الإسرائيلية» الإيرانية لم تنقطع منذ عهد فارس مرورا بالشاه وانتهاء بـ «ولاية الفقيه» ، فقد جاء رد الرئيس الأمريكي، في حديث للصحفيين أمام البيت الأبيض، بمثابة الصفعة له حين قال: «لم نتوصل إلى اتفاق بعد مع طهران. ولكن إذا نجحنا فسيكون ذلك أفضل شيء ممكن للتعامل مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي» [1] . بمعنى أن الولايات المتحدة لن تلقي بالا لأكاذيب نتنياهو، وستمضي قدما في تطبيع علاقاتها مع إيران مهما كانت الاعتراضات «اليهودية» .
فعليا؛ ومن وجهة نظر «إسرائيل» كدولة مهددة بالتراجع إلى مراتب خلفية، فإن: «بنيامين نتنياهو على حق: زيارته الأخيرة إلى واشنطن وخطابه أمام مجلسي الكونغرس الأمريكي، كانا بحق مصيريين وتاريخيين وفق كل المعايير» ! هذا ما خلص إليه الكاتب سعد محيو في مقالته المثيرة حول حقيقة المعارضة «الإسرائيلية» لأي اتفاق مع إيران، وما يخلفه من خصومات إستراتيجية، تمس مكانة «إسرائيل» ونفوذها وحتى مشروعها. وبحسب المقالة، فإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تكون الصفقة مع إيران «بداية تحوّل استراتيجي كبير» لتوجّهاتها في الشرق الأوسط وقارة أوراسيا، فإن محور هذا التغيير يتلخص في «إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، بحيث تتمكن الولايات المتحدة من تخفيف أعبائها ومسؤولياتها فيها من دون المس بمصالحها الأساسية، ثم لنقل مركز الثقل في نشاطاتها إلى منطقة آسيا - الباسيفيك التي باتت عمليًا، المركز التجاري والاقتصادي والعسكري الأول في العالم بدل أوروبا، وذلك للمرة الأولى منذ خمسة قرون. وهذا يتطلب، من ضمن ما يتطلب، الاعتراف بالأدوار الإقليمية للعناصر الرئيسة في هذه المنطقة، والتي شكّلت كل أنظمة الشرق الأوسط السابقة في التاريخ: الإيرانيون والأتراك والعرب، وفي الدرجة الثانية اليهود والأكراد والمسيحيون وباقي الأقليات .. وهذا بالتحديد هو ما تخشاه إسرائيل، لأنه سيعني ببساطة تقويض النظام الإقليمي السابق الذي أقيم غداة الهزيمة العربية في حرب 1967، والذي رسّخ السيطرة شبه المطلقة لإسرائيل على نظام الشرق الأوسط، برعاية أمريكية ومباركة .. من تركيا الأتاتوركية، .. ومن إيران الشاهنشاهية، ... ومصر الساداتية ... » .
ويتابع الكاتب القول:
«كل هذا الصرح، النووي والإستراتيجي، سيكون عرضة إلى الانهيار، في حال تم التوصل ... إلى اتفاق، ما سيؤدي في الواقع إلى تسديد ضربات قد تكون قاتلة للمشروع الإسرائيلي في حلّته الصهيونية، الذي استند بقضه وقضيضه إلى فكرة تفرّد الدولة العبرية بالتفوق العسكري والإستراتيجي والاقتصادي الإسرائيلي المطلق، في إطار إمبراطورية حقيقية تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي. وهذا ما قد يفسِّر جانبًا من الهستيريا الحقيقية التي تنتاب العديد من الدوائر الحاكمة في
(1) «أوباما وإيران: لا جديد بخطاب نتنياهو» ، 3/ 3/2015، موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/wvDVt