وارتكبت من الفواحش ما الله به عليم، وولجت الإلحاد من أوسع أبوابه. واستمرت دولتهم قريبا من ثلاثة قرون، نفذت الطائفة خلالها سلسلة طويلة من الاغتيالات طالت الوزير السلجوقي نظام الملك، والخليفتين العباسيين المسترشد والراشد، وكونراد ملك بيت المقدس. لكنهك فشلوا مرتين في اغتيال صلاح الدين الأيوبي. وعجزت القوى والدول السائدة في عصرهم عن تصفيتهم، إلى أن قضى عليها المغول بقيادة هولاكو، الذي اقتحم قلاعها في فارس وارتكب فيها مذبحة كبيرة سنة 1256، ثم أطبق عليها في الشام الظاهر بيبرس سنة 1273.
تمثل نشأة الدولة «الصفوية» علامة فارقة في تاريخ الإسلام ببلاد فارس. فكل الدول السابقة والحركات الهدامة التي انطلقت منها أو اتخذت منها مستقرا أو نشطت في رحابها لم تستطع النيل من المسلمين في فارس. وبقيت حركات الزندقة والإلحاد والإباحية منتشرة في إطار الطبقات المثقفة والعليا، ولم تنل من رسوخ الإسلام في فارس. فقط، لما تأسست الدولة «الصفوية» ، واعتمدت الاثنى عشريا مذهبا رسميا للدولة، انقلبت الأمور رأسا على عقب. فـ: «الدولة الصفوية هي التطبيق العملي الأول في التاريخ للأفكار الشيعية والتي كتبت في القرن الرابع للهجرة واستمرت ستة قرون حتى ظهرت الدولة الصفوية, ورغم ظهور دولا شيعية مثل الفاطمية في المغرب ومصر وقبلها البويهية سيطرت على بغداد وأبقت الحكام العباسيين شكلا, وجاءت عدة دول شيعية صغيرة, لكن كل هذه الدول لم تمارس القتل بالملايين والتشريد وحمل الناس على التشيع قسرًا, وإدخال أفكار جديدة, وإحياء أفكارأ متطرفة, وإيجاد أحقادًا طائفية منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا» [1] . وفي ظلها عاش المسلمون أشد المحن قسوة في تاريخهم منذ البعثة النبوية. لأنهم هذه المرة استُهدفوا، في دينهم وعقائدهم وإيمانهم، عامةً وليس خاصةً. فتشيع منهم من تشيع، وقتل من قتل، ونفي من نفي، وفر من فر. ورغم زوال الدولة «الصفوية» ، وتسلم «القاجاريين» الحكم (1779 - 1925 م) ، إلا أن فارس، بخلاف مصر، ظلت صفوية إلى يومنا هذا.
بدأت القصة مع إسماعيل شاه (1487 - 1524 م) الذي تعود أصوله إلى أب أذري وأم أرمينية. وهو بن حيدر بن صفي الدين الأردبيلي، (1252 - 1334 م) . وقد ولد من أب ذو أصول تركية أذرية وأم أرمنية. أما جده فهو سني على مذهب الشافعية. لكنه كان شديد التصوف على الطريقة البكتاشية، ومن التصوف اتجه حفيده خواجة علي ابن صدر الدين إلى التشيع، حتى صار للتشيع موطئ قدم في العائلة وصل إلى حد التخلي عن السنة، والغلو في التشيع. وللعائلة صلات مصاهرة مع آخر ملوك القسطنطينية. واستطاعت، خلال الفترة 1450 - 1488 م، إنشاء تنظيم سياسي مسلح، تَكوَّن من وحدات خاصة من القزلباش. أما إسماعيل الصفوي فقد بدت عقائده أشبه ما تكون بخليط عقائد ماني وبولس. وبحسب علي الوردي، فإن ظهور الدولة «الصفوية» جاء: «في الوقت الذي كانت فيه قوة الدولة العثمانية تتعاظم على أثر فتح القسطنطينية، كانت منطقة أذربيجان الإيرانية تتمخض عن حركة صوفية قدر لها فيما بعد أن تكون جسما خطيرا على الدولة العثمانية، هي الحركة الصفوية» . ويتابع الوردي القول: «وما يجدر ذكره أن الطريقة الصفوية لم تكن في بداية أمرها تختلف كثيرا عن الطريقة البكتاشية من حيث كونها مزيجا من التصوف
(1) عبد العزيز بن صالح المحمود: «عودة الصفويين» ، 1 محرم 1428.