فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 147

لأبلغ دعوتي للناس كافة» [1] . ويقول أيضا: «يبشَّر الأنبياء بأوامر الإله أحيانا من الهند بواسطة زردشت، والآن أرسلني الله لنشر دين الحق في بابل» ، و «أرسلني الله نبيا من بابل حتى تصل دعوتي العالم أجمع» [2] .

بقيت الإشارة إلى أن ماني بدا، إلى حد ما أشبه ما يكون بانتهازية بولس، وهو يتلون بحسب ما تهوى الأقوام التي يلتقيها. فلأن غايته أن تبلغ دعوته العالمية، فقد سجل كريستنسن ملاحظة بالغة الدقة، حين قال بأن ماني: «طابق بين مذهبه، بمهارة، وبين الآراء والمصطلحات الدينية عند مختلف الأمم» [3] . وهي ذات ملاحظة سليم مطر في «المانوية» . أي أنه كان زرادشتي مع الزراديشتيين، في ثنوية إله الخير وإله الشر، ونصراني مع النصارى، و «بالذات الأفكار الثنوية للقديس السرياني بن ديصان الذي دعا إلى نوع من المسيحية الثنوية، بالإضافة إلى المعتقدات البابلية والسامية السائدة» ، وبوذي مع البوذيين، حتى أنه «في آسيا والصين أطلق على نفسه لقب بوذا الحي» [4] .

أسسها مزدك بن بامداد، في فارس عام 487، خلال عهد قباذ ابن فيروز الساساني (448 - 531 م) ، والد كسرى أنو شروان. ومع أنه بدأ دعوته كمؤمن بعقيدة ماني إلا أن فلاسفة اليوم، قرؤوا دعارة «المزدكية» ، بمنطق العدالة الاجتماعية الماركسية، دون أن يأتوا على ذكر الإباحية اللينينية في عشرينات القرن الماضي! فاعتبروا مزدك أول من وضع بذور الاشتراكية، حين نادى بتقسيم الأرزاق بين الناس بالتساوي. في حين أن مزدك نادى بالإباحية، وجعل الناس شركاء فيها، كاشتراكهم في الماء، والنار، والكلأ. لكنه لم يلبث قليلا حتى قتل على يد خسرو أنوشيروان الذي أعاد الاعتبار لمذهب زرادشت في الحكم.

تقوم فلسفة «المزدكية» على افتراض يعكس بؤس الواقع الاجتماعي والسياسي السائد آنذاك، ويرى بأنه إذا

كانت النساء والأموال هي مصدر الشرور (الأخلاق الشيطانية) فإن إباحتها، وجعلها مشاعا بين الناس، ستؤدي بالضرورة إلى اختفاء الفساد والشرور. فالذين احتكروا الأموال، وفرضوا القيود على النساء، وتسببوا بحرمان الناس من الزواج، هم المسؤولون عن الظلم والفساد المستشري في البلاد. وإذا كانت نزعة التملك لدى الإنسان تدفعه للاستئثار بهذين المتغيرين، (المال والمرأة) ، فإن انتزاعهما منه ستؤدي إلى تحريره من الذاتية، والاندراج في الجماعة، وبالتالي قهر الشيطان. ومن جهة أخرى ترى «المزدكية» أن العاديين من الناس لا يستطيعون التخلص من اللذات المادية إلا في اللحظة التي يستطيعون فيها إشباع هذه الحاجات طوعا. فلتكن هذه الحاجات إذن مشاعا عاما ينتفع منه الجميع.

(1) آرثر كريستنسن: «إيران في عهد الساسانيين» ، مرجع سابق، ص 172.

(2) د. علي شريعتي، «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» ، مرجع سابق، هامش 2 / ص 57.

(3) آرثر كريستنسن: «إيران في عهد الساسانيين» ، مرجع سابق، ص 180.

(4) سليم مطر: «المانوية البابلية .. أساس التصوف العراقي» ، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت