فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 147

المبحث السادس

الغطاء الأمريكي والرعب اليهودي

نظرية «الصالح العام» ؛ هي نظرية ميكيافيلية بامتياز. وهي التطبيق الحرفي لمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» . فمن أجل الصالح العام يمكن التعامل مع العدو والحليف بنفس القدر إذا كانت المصالح العامة تتطلب ذلك. لذا فمن غير المنطقي أن يطيح الغرب بشاه إيران الذي يؤمن بالتغريب قدر إيمان أتاتورك به، ويقدم النفط للشركات الغربية أكثر مما تقدمه أية دولة، ويجعل من بلاده مقرا أمنيا وعسكريا للولايات المتحدة و «الناتو» والصناعات العسكرية وصيانة الطائرات، وبابا مفتوحا لـ «إسرائيل» ، بل ويربط ماضي فارس، عرقيا، بحاضرها ومستقبلها، في قطيعة تامة مع الإسلام [1] . فما الذي قصر به الشاه حتى يطاح به بشكل مهين وسريع، حتى غدا متشردا لا يجد دولة تؤويه! ثم يؤتى برجل دين برعاية أمنية دولية، وحشد إعلامي دولي لا نظير له حتى ذلك الحين!!!؟ بل ويقيم دولة تحكمها طبقة الكهنوت «الإمامية» ، والأدهى أن تعلن أن أمريكا هي «الشيطان الأكبر» وتنادي بـ «الموت لأمريكا» !!!

إذا لم يكن هذا منطقيا؛ فهل من المنطقي القول، وضمن نظرية «الصالح العام» ، أن إيران الرافضية أجدى، على المدى الطويل، في تحقيق مصالح الغرب والنظام الدولي من إيران الغربية؟ ربما. إذ أن إيران الرافضية، وطبقا لوقائع التاريخ، كانت وستظل أشد خطرا على الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية. وبالتالي فإن اختراقها للعمق الإسلامي سيكون أسهل من أية قوة أخرى مكشوفة عقديا كـ «إسرائيل» مثلا. صحيح أن مفهوم التغريب وأدواته ظل أحد الوسائل المتبعة في اختراق الثقافة وتخريب المجتمعات الإسلامية. لكن هذا إلى حين، كما هو الحال اليوم في تركيا مثلا. وكي لا تبقى تركيا على هامش القارات سياسيا، وخارج الإسلام عقديا، وثقافة بلا هوية واقعيا، كان على تركيا، وفق نظرية «العمق الإستراتيجي» أن تصفي مشكلاتها أولا، ثم تتصالح مع العالم الإسلامي ثانية كي تكون في «المركز» [2] ثانيا. هكذا يمكن لتركيا أن تتجه نحو استعادة التاريخ والهوية والثقافة الإسلامية والمكانة. أما إيران؛ فسواء كانت غربية الثقافة أو إمامية العقيدة فإن خطرها يكمن في شخصيتها القومية التاريخية، وحمولتها العنصرية الثقيلة، وثاراتها مع العروبة والإسلام، أكثر مما يكمن فيما تختار من نمط

(1) في سياق النظرية إياها يصح القول بما قاله الموسوي من أن فكرة الإطاحة بالشاه تزامنت مع الحرب الأفغانية. وبمقتضاها استعملت الولايات المتحدة الأمريكية الإسلام في ردع الشيوعية ومحاصرتها. لذا فقد ضحت بالشاه، أملا في حشد الشيعة =

= ... والسنة في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وفي سياق آخر يجري الحديث عن عملية نهب للنفط الإيراني من قبل الشركات الغربية وحتى «إسرائيل» . والإطاحة بالشاه سيعفى قوى النهب من استحقاقات مالية بمليارات من الدولارات. لدى: د. موسى الموسوي، «الثورة البائسة» ، مرجع سابق، ص 20،22. وفي السياق ذاته فإن «الصالح العام» يقتضي أن يستفيد الجميع، عبر القبول بمنطق أن إقامة علاقات دبلوماسية مع «إسرائيل» أو أمريكا لن يكون مجديا، لكون الخطوة سينجر عنها مشكلات لا حل لها كتسوية المطالب المالية. والأولى التأكيد علانية على رفض التطبيع أو القول، على الأقل، بأنه ما من مصلحة للأمريكيين أو اليهود أو الإيرانيين في إقامة علاقات رسمية فيما بينهم، فيما هي، في الواقع، من قبيل تحصيل الحاصل.

(2) د. أكرم حجازي، «تركيا: أسئلة التاريخ والمصير» ، ورقة قدمت إلى مؤتمر العلاقات العربية التركية، 11/ 1/2011، منتدى المفكرين المسلمين - الكويت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت