الفصل الثالث
البعث الفارسي (1)
قد يعجب المرء حين يلاحظ أن ما تؤمن به إيران اليوم، وما تعده من خطط، وتطبقه على الأرض، هو ذاته ما كانت تفعله الإمبراطوريات الفارسية من قبل. فهي تأخذ من كل الأديان الوضعية والكتب السماوية المحرفة، وتنسج التحالفات الغادرة والحقيقية، وتتحدث مع الجميع بلغة بولس وماني، أعظم رموز التحريف للكتب السماوية، والأشد مكرا ونفاقا وخداعا وكذبا. وتهيئ نفسها استراتيجيا عبر السعي لامتلاك ما استطاعت من أدوات القوة، وتخطط علانية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية وليس «الصفوية» فحسب، بل وتعلن ذلك أمام العالم أجمع، من حلفاء وأصدقاء وأعداء، كما سنرى ونسمع ونقرأ.
أما أعجب ما في الأمر، أنه ورغم كل هذا الوضوح، نجد أن هناك من يصدقها، غير متعظ بماضٍ، ولا آبه بحاضر، ولا مستشرف بمستقبل، إلا بمصالحه التي باتت بكفة، وكل الدين والحضارة والتاريخ في كفة أخرى، أحط منزلة. وكأن «الاستحمار» ، الذي تحدث عنه شريعتي، غدا صفة تنطبق على بعض السنة، بنفس القدر الذي تنطبق فيه على «الرافضة الصفوية» !!! وكأنه لا يكفي الأمة ما تعانيه من الجبْر، وتسلط «اليهودية» و «النصرانية» و «النصيرية» عليها، إلا إذا خرج أحفاد ابن العلقمي من صلبها، وليس من صلب الأعداء فحسب.
على امتداد التاريخ الإسلامي، لم يتوقف الفرس المجوس عن الانتقام من الإسلام وتخريبه من الداخل، وقتل العامة (المسلمين = النواصب = أهل السنة) والعرب وهدم الكعبة. بل والعمل، بلا كلل أو ملل، على إحياء الإمبراطورية الفارسية. هذا الهدف للإمامية لم يكن خفيا لا في المصنفات العقدية للشيعية الروافض، ولا في المصنفات التاريخية، ولا في الأطروحات السياسية ولا في الثقافة والإعلام، ولا في لغة العامة منهم.