في المقابل أحسنوا أيما إحسان للنصارى واليهود في مقابل التضييق على السنة، وعينوا منهم الوزراء وكبار رجال الدولة. وكانوا كلما تعرضوا لضائقة سياسية أو عسكرية استنجدوا بالصليبيين واليهود. بل أن النصارى في عهدهم سيطروا على «سواحل الشام بأكمله، حتى أخذوا القدس ونابلس، وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين» [1] .
هذه هي الدولة التي سبق وتجرأ الرئيس الليبي معمر القذافي على الدعوة إلى إحيائها، في خطاب له سنة 2011، قال فيه: «إنَّ الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ الجَدِيْدَة هِيَ تَارِيْخُنَا، هِيَ مُلْكُنَا، هِيَ إِرْثُنَا. نَحْنُ صَنَعْنَا الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ الأُوْلَى وَسَنَصْنَعُ الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ الثَّانِيَةَ، هَذِهِ دَوْلَتُنَا وَلَيْسَ مِن حَقِّ أحَدٍ أَن يَحْتَجَّ عَلَيْنَا وَمَن يَحْتَجُّ عَلَيْنَا هُوَ يَنْبَح، هِيَ دَوْلَتُنَا أُقِيْمَت فَوْقَ هَذِهِ الأَرْض، أَقَامَهَا أَجْدَادُنَا، وَلَوْلَا الفَاطِمِيُّونَ مَا كَانَتِ القَاهِرَة، فَالقَاهِرَةُ فَاطِمِيَّةٌ مَائَة فِي المَائَة، وَالأَزْهَرُ هُوَ مَسْجِدُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء وَهُوَ قَلْعَةٌ مِن قِلَاعِ الفَاطِمِيَّةِ، رَاجِعُوْا كُلَّ ثَقَافَتِكُم وَأَعْيَادِكُم وَمَوَاسِمِكُم فِيْ شَمَالِ أَفْرِيْقِيَا، كُلَّهَا شِيْعِيَّة، وَأوَّلُ دَوْلّةٍ شِيْعِيَّةٍ فِي التَّارِيْخِ فِي أَفْرِيْقِيَا هِيَ الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ، وَلَن نَعْتَرِفَ بَعْدَ اليَوْمِ بِإِمَامَةِ أيِّ حَاكِمٍ يُرِيْدُ أن يَعْمَلَ دَوْلَةً دِيْنِيَّةٍ مَا لَم يَكُن مِن آلِ البَيْتِ الذِيْنَ لَهُم الحقُّ الإِلَهِيُّ فِي الحُكْمِ» . وردت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربيَّة السُعوديَّة فتوى جاء فيها أنَّهُ: «بعد الاطلاع على أقوال العُلماء والمؤرخين تبيَّن أنَّ الدولة الفاطميَّة كان لها من الضرر والإضرار بالمُسلمين ما يكفي في دفع كُل ما يرفع لواءها ويدعو بدعواتها، وأنَّها دولةٌ ضالَّة لا يجوز الدعوة إليها، لأنَّ هذه الدعوة غش وخيانة للإسلام وأهله» .
هي الدولة التي أدخلت نظام الوزارة على الخلافة. وجردت الخليفة بمقتضاه من صلاحياته. ومع أن مؤسسها زيدي؛ إلا أنها كانت أول من أدخل طقوس الشيعة إلى الحاضرة الإسلامية. وفي السياق يقول ابن الجوزي بأنه: «جرت في العاشر من محرم عام (963 م المصادف 352 هـ) احتفالات رسمية وفريدة في يوم عاشوراء حيث أغلقت الأسواق وسارت النادبات في شوارع بغداد وقد سودن وجوههن وحللن شعورهن ومزقن ثيابهن وهن يلطمن وجوههن ويرددن مرثية حزينة» . وفي عهدها أيضا نشطت تيارات الإلحاد والزندقة والتحريف. وانتهى حكم البويهيين على يد السلاجقة الأتراك الذين دخلوا بغداد سنة 447 هـ.
أما قصة نشوئها فترجع إلى مرداويج بن زيار، مؤسس الدولة الزيارية في جرجان وطبرستان بفارس. ففي سنة 320 هـ/932 م تلقى مؤسس الدولة البويهية، علي بن باويه، تكريما من ابن زيار، منحه بموجبه ناحية تسمى الكرج. ومنها انطلق علي بن بويه، وأخواه، نحو السيطرة على أصفهان أولا، في فارس التي سقطت بيده سنة 322 هـ. وبعد سنة قتل مرداويج، واتجه البويهيون الديالمة نحو منطقة كرمان سنة 324، ثم خوزستان، ليسيطروا على منطقة الأحواز سنة 326. وفي سنة 334 هـ دخل أحمد البويهي بغداد، باتفاق مع الخليفة العباسي المستكفي
(1) «موسوعة الفرق» . موقع «الدرر السنية» ، على الشبكة: http://www.dorar.net/enc/firq/1843