فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 147

المبحث الرابع

إيران واعتراض الثورات العربية

بالمقارنة مع نظم اليوم؛ فلم يكن الحجاج بن يوسف الثقفي مستبدا عادلا بقدر ما اتصفت سيرته بالظلم والجور وسفك الدماء. لكن المؤكد أن شرعيته لم تكن جزء من شرائع وضعية، ولا من تحالفات مع قوى دولية مهيمنة خارج الحضيرة الإسلامية. لكن في عصر الحكم الجبري الذي نعيش، فإن الشرعية الأبرز للنظم السياسية العربية هي تلك التي تتيحها الشرائع الوضعية المهيمنة على العالم، عبر ما يسمى بالنظام الدولي ومؤسساته التابعة. وبالتالي فالاستبداد الشائع محاط بحماية دولية غير مسبوقة. وتبعا لذلك فإن المعادلة القائمة، بين السلطة والأمة، ليست أصيلة ولا حقوقية ناهيك أن تكون شرعية، إلا في حدود الاجتماع القائم على العصبية القبلية أو الأسرية التاريخية أو المصلحية.

وتبعا لذلك ثمة حديث رسمي لا ينقطع عن الوحدة الوطنية رغم أنه مصطلح وضعي انتهازي لا علاقة له بالشريعة ولا بالحق ولا بالحقيقة. ولم يكن في يوم ما رابطا اجتماعيا. وهو في الواقع دائما ما يتوجه إلى الداخل، باعتباره رابطا أمنيا صرفا، لا وظيفة له إلا ضبط العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع. لذا؛ من الطبيعي أن تضعه أشد النظم استبدادا ودموية في مقدمة خطوطها الدفاعية لتبرير استمرار تمسكها بالسلطة، بموجب معادلة «الأمن مقابل الاستبداد» ... هبة النظم السياسية العربية للشعوب. وتبعا لذلك؛ فإن أية محاولة احتجاج شعبية أو نقابية، ولو ذات طابع مطلبي أو حقوقي، ستكون متهمة تلقائيا بخرق الوحدة الوطنية واستهداف الأمن والاستقرار وتهديد السلم الاجتماعي. لكن إذا ما ضعفت القبضة الأمنية، لأي سبب، تشظت المرجعيات المصطنعة للمصطلح، كالتعايش والتوافق والاعتدال والوسطية وغيرها من الترهات. واتجهت ذات القوى، السياسية والاجتماعية، التي كانت تدافع عن الوحدة الوطنية نفاقا، إلى الاستقطاب وتصفية الحسابات.

من الحتمي، مع هكذا شرعيات ومعادلات حكم، أن تنفجر الصيغة القائمة عاجلا أم آجلا. وهكذا كان في

17/ 12/2010، حين انطلقت الشرارة من محمد بوعزيزي، المثقف الذي يعمل بائعا على عربة خضار، في تونس. وفي أقل من شهر على اندلاع الاحتجاجات، سقط أحد أعمدة الاستبداد في العالم العربي. ولأن المشكلات متماثلة، فقد مثلت هذه الشرارة نموذجا يحتذى لدى الشعوب العربية، حيث انطلقت الاحتجاجات تباعا في مصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق والأردن والبحرين والمغرب، وسط «همهمات» شعبية في دول أخرى كالجزائر والسعودية وموريتانيا والكويت ولبنان. بل أن صدى ما أُطلق عليه الربيع العربي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، لاسيما دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت