وكي نفهم حقد المجوس على العروبة والإسلام، وسعي أحفادهم إلى التوسع، أملا في استعادة أمجاد الإمبراطورية، يتوجب علينا مقاربة هذا السلوك النفسي بالواقع التاريخي. فلم يك الفتح الإسلامي لفارس ليتوقف عند هزيمة نكراء في معركة القادسية أو نهاوند. بل كان يعني إطفاءً تاما لنار أول إمبراطورية أقيمت في العالم، في الفترة ما بين 550 ق. م - 630 م، ... إمبراطورية وصل لهيبها شرقا إلى بلاد الهند والأفغان، وغربا إلى العراق وبلاد الشام ومصر وليبيا، وكامل القوس الشمالي من بلاد الترك حتى الحدود الغربية للهند والصين، بالإضافة إلى بلغاريا، وجنوبا إلى الجزيرة العربية. وبالمقارنة لم تكن الإمبراطورية الفارسية كالإمبراطورية الرومانية في ذلك الحين. لذا كانت هزيمتها في معركة اليرموك أقل ضررا بعودتها إلى وطنها الأم، وكذا الأمر حتى بالنسبة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، فقد ظلت الهزيمة الفادحة في القسطنطينية (1453 م) قابلة للاستيعاب من قبل عالَم النصارى، واستعادة المبادرة في أزمان لاحقة. لكنها بالتأكيد لن تكون مجرد هزيمة لو أن روما سقطت!
لذا كان قرار أبي بكر الصديق، في مواجهة فارس في العراق، واحدا من أعظم القرارات في التاريخ الإنساني وأغربها. أما الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، فقد اتخذ قرارا حاسما في ملاحقة فارس، ليس في العراق فحسب، بل وفي عقر دارها، ومطاردتها حتى حدود السند، وإسقاط الإمبراطورية الساسانية، بجغرافيتها وعسكريتها ونظمها السياسية والدينية والاجتماعية، وتشريد أكاسرها وملوكها، وملاحقتهم حتى في ملاذاتهم، وحرمانهم للأبد من فرصة الرد أو حتى استيعاب الصدمة.
فقد أثبت المسلمون في حربهم لفارس تفوقا ساحقا، فيما أظهرت الحرب عيوب الدولة وخوائها، وجبن الفرس في خوض المعارك، لاسيما أن الجنود كانوا يقيدون بالسلاسل. ومع ذلك فقد كان الفرار غالبا عليهم. فمن أعجب الحقائق، أن المسلمين العرب، المعدمين إلا من قوة الإيمان (1) تجرؤوا، بلا أية مقدمات، على اتخاذ القرار بالتوسع، وعلى (2) أن يكون الهدف في أول الفتوحات الإمبراطورية الأعظم، وأصروا على (3) خوض عشرات المعارك والحروب معها، ونجحوا في (4) تجريدها من مراكزها الإستراتيجية وحواضرها وقراها ومدنها، و (5) ومطاردتها، حتى (6) إسقاطها، و (7) إزالتها من الوجود، بل و (8) قطع دابر السلالة الساسانية، حتى لا يكون كسرى بعد كسرى [1] .
لكن الحقيقة الأشد عجبا ودهشة، هي براعة الخليفة عمر في إدارة وقائع الحروب ضد إمبراطورية شاسعة، وذات بأس شديد، وفي أوج عظمتها، وعلى بعد آلاف الأميال، بكفاءة مذهلة، حتى يكاد الناظر في وقائع الحروب، يرقب عمر بن الخطاب، وكأنه في غرفة عمليات ضخمة، ومجهزة بأحدث أدوات الاتصال والتواصل، ويراقب قلب كل مدينة أو قرية أو ثغر، لكثرة ما يتلقى من معلومات واستيضاحات من القادة، ولما يتوفر له من كم هائل من التفاصيل، وما يتبعها من عقد الاجتماعات التشاورية مع الصحابة والقادة، أو لكثرة مما يصدر عنه من القرارات والتعليمات، لكل ما تتطلبه الضرورة الحربية، من كسب للوقت والتعامل معه بدقة بالغة.
(1) في الحديث النبوي: إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَه وإذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَه والذى نفسى بيدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا في سبيل الله. وله طرق أخرى.