لقد حطم المسلمون، في حربهم ضد فارس، القوة الميدانية للإمبراطورية الساسانية، في أربع معارك ضخمة هي: البُويب والقادسيَّة وجلولاء ونهاوند. لذا فقد شعر «أبناء الحرة» بإهانة بالغة، تلقوها من «أبناء الجارية» ، أحط الناس، وأشدهم عبودية لهم، والأنكى؛ أنه من المفترض الأقل خطرا عليهم. ولعل تقييم ابن حزم الأندلسي لا يخلو من وجاهة، وهو يفسر ظهور الشعوبية بالقول أن: «الفرس، كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم حتى أنهم كانوا يسمون الأحرار الأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا تعاظم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا يد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله الحق» .
يحدث هذا في لحظة شعور بالصعود القومي، ونمط حكم قائم على المزج بين الملك والكاهن، مكّن فارس من التمتع بقدر من التمدن والتطور، حتى صار مصدرا ضخما للثروة والشعور بالعظمة. لكنه بنفس الوقت، تَسبب بالصراع على السلطة وامتيازاتها، حتى أن عرش الإمبراطوريَّة الساسانيَّة تولّاه أحد عشر ملكًا على مدى أربع سنوات، كان آخرهم يزدجرد الثالث .. وفجأة ينهار كل شيء. لذا لم يتقبل أغلب الفرس الإسلام في البداية. بل أنهم أثناء الحروب، غالبا ما كانوا يصالحون على الجزية، بدلا من الدخول في الإسلام. لكن؛ هل يكفي الفتح الإسلامي لفارس، في تبرير ظهور الشعوبية، واستمرارها إلى هذا الوقت؟
ثمة اتجاه يقر بذلك، ويعبر عنه الكثير من الأكاديميين الإيرانيين. وفي السياق أوردت أسبوعية «صبح آزادي» ، السابقة الذكر، رأيا لصادق زيبا، يقول فيه: «يبدو أننا كإيرانيين لم ننس بعد هزيمتنا التاريخية أمام العرب، ولم ننس القادسية بعد مرور 1400 عام عليها، فنخفي في أعماقنا، ضغينة وحقدًا دفينين تجاه العرب، وكأنها نار تحت الرماد، قد تتحول إلى لهيب، كلما سنحت لها الفرصة» [1] . العجيب في كلام الأكاديمي الإيراني أن يتذكر القادسية بالاسم، ويضع نهاوند في ذمة التاريخ! وهنا يكمن بعض آخر من أسرار الضغينة والحقد المستمرين.
فما تعرضت له فارس على يد المسلمين لم يكن مسبوقا في تاريخ الحضارات والقوى الكبرى. ولو أن إمبراطورية ما سقطت بالسرعة القياسية التي سقطت بها فارس، أو قريبا منها، لكان لديهم ما يكفي لمواساتهم. لكن هذا لم يحدث فيما مضى. لذا فقد شعر الفرس بمرارة، لم يشعروا بها من قبل، لا هم ولا غيرهم! وكأن الأمر جرى في غفلة من الزمن، لا هي مسبوقة، ولا متخيلة.
المأساة الثانية التي عاشها الفرس، والتي تفسر ذِكْر المفكر الإيراني للقادسية بالاسم، أن بلادهم هي هضبة تفتقر للأنهار والخَصْب، وتحتضن صحراوين جدباوتين. لذا فقد ظلت أنظارهم، طوال تاريخهم، تتوجه نحو السهول والمياه في بلاد الرافدين، حيث وَفَر العيش ورغده، وموطن الحضارات الزاخرة بحق. فكان شظف الحياة والعيش، هو الذي يدفع قبائل فارس على الدوام إلى ممارسة الغزو، والنظر إلى الأحواز العربية والعراق، باعتبارها سلة غذائها وغناها، حتى قبل أن تتشكل الإمبراطورية الفارسية، وتغدو إمبراطورية حربية توسعية واستهلاكية،
(1) علي الكاش، «اغتيال العقل الشيعي» ، مرجع سابق، ص 53.