ومن الجدير في الاعتبار أن اللحظة التي أعلن فيها ابن سبأ إسلامه هي ذات اللحظة التي جاهر فيها بعدائه لعثمان، وذات اللحظة التي اندرج فيها في فتنة التحريض على قتله! وذات اللحظة التي والى فيها علي بن أبي طالب، وذات اللحظة التي ردد فيها بحقه أطروحات «اليهودية» و «النصرانية» في تحريفاتهما العقدية، خاصة في «الولاية» ، كالقول بأنه: «كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووثب على وصيه» ، أو في «الرجعة» كقوله: «عجبت ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} ، (القصص: 85) » !!!
وتذكر المصادر الشيعية، كابن أبي الحديد، أن عبد الله بن سبأ قام إلى علي وهو يخطب فقال له: «أنت أنت، وجعل يكررها، فقال له - علي- ويلك من أنا، فقال: أنت الله، فأمر بأخذه وأخذ قوم كانوا معه على رأيه» ، شرح نهج البلاغة (5/ 5) . وقال نعمة الله الجزائري: «قال عبد الله بن سبأ لعلي (: أنت الإله حقًا، فنفاه علي (إلى المدائن، وقيل أنه كان يهوديًا فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وفي موسى مثل ما قال في علي» ،(الأنوار النعمانية - 2/ 234) . فكان ابن سبأ أول من نادى بـ «الإمامة» لعلي، وأول من ادعى نبوته ثم ألوهيته، وأول من علم أتباعه اللعن وسب أبي بكر وعمر، وأشد من حرض على عثمان رضي الله عنه، وأول من قال بخلود الأئمة. فلما قتل الخوارج الخليفة علي بن أبي طالب، وتلقى ابن سبأ الخبر وهو في مصر، رد بالقول: «كذبت عدو الله لو جئتنا والله بدماغه لو جئتنا بدماغه في صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض» [1] ، (النوبختي: فرق الشيعة/23) .
لما نزل عند لص البصرة، حكيم بن جبلة، وقبل مقتله رضي الله عنه، بعث الخليفة عثمان إلى عامله، عبدالله بن عامر، محذرا منه. فأرسل بن عامر، الذي أحس بغموض نسبه، إلى ابن سبأ يسأله: «من أنت؟» !!! ولم يسأله مثلا: «ماذا تريد؟» أو «ما هي غايتك؟» وفي مثل سؤال بن عامر له، من المفترض أن تكون الإجابة بأنني فلان ابن فلان، لكنه اكتفى بالقول: «رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك» !!! من الواضح أنها إجابة تحرص وتصر على الغموض، وتتعمد طمس الهوية الشخصية، دون أن تخلو طياتها من جهد كامن في استمالة بن عامر لصفه. ولا شك أنه غموض يحول دون تتبع نسبه أو انتمائه أو عمله أو إقامته أو حالته الاجتماعية. لكنه، في المحصلة، لم تتحقق مراميه، ولم يجد في البصرة من يستمع لدعواه إلا حين ذهب إلى مصر، التي كانت، في ذلك الوقت، أخصب مراتع الفرقة «السبئية» ، ومنطلق الفتنة إلى الحواضر الإسلامية آنذاك.
(1) في رواية ابن حزم الأندلسي يقول ابن سبأ: «لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا» .