فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 147

سائر العلماء والمؤرخين، من أية جهة كانت، بالإشارة إلى هويته بالقول أنه: «عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني» ، (المقالات والفرق/20) . ومع ذلك فهو شخصية غامضة من حيث الاسم والنسب، بما يكفي للتحفظ بشدة على تسمية القمي له، بل ورفضها من الأساس. إذ ما من مبرر يجعل من التسمية صحيحة لاسيما أن اسم «عبدالله» كان يطلق آنذاك على أي شخص نكرة يُنادى عليه في الشارع أو في السوق أو في المسجد أو في أي مكان يتعرض فيه للنداء، تماما كما كان يُنادى على أية امرأة بـ «أمة الله» . ففي شمال أفريقيا مثلا ينادى على الرجل النكرة في الطريق باسم «سي محمد» . والأرجح أن نكرة الاسم والنسبة معا، تَسببا بذيوع شهرته بين الناس بلقب «ابن السوداء» ، نسبة لأمه الحبشية. وغني عن البيان ملاحظة أن النسبة للأم تعني جهلا في النسب، حتى لمن عاصروه! وهذا يعد نقيصة كبرى في عرف العرب، بالإضافة إلى أن اللقب بحد ذاته يعبر عن نسبة مناطقية عامة، وغير محددة. أما لماذا تعمد الغموض؟ فلأنه بحاجة لِئن يخفي أمرا ما، لم يكن يرغب في كشفه بداية، كي لا يتيسر لأحد تتبعه أصلا وفصلا بحيث يمكن التعرف على حقيقته، وعلى أهدافه، وغاياته. ولا ريب أن الأسوأ في شخصية ابن سبأ، أن الغموض سينسحب على المستقبل، وليس على حاضره فقط، بحيث يبدو حال الباحثين عنه، كما لو أنهم يواجهون منظومة محكمة من الطلاسم، التي تستعص على الحل.

الفرق بين شخصية شاؤول بن كيساي، الملقب بـ «بولس الرسول» ، وابن سبأ أن هذا الأخير استثمر عميقا في شخصية بولس، وتجاوز عن الأخطاء التي وقع فيها، عبر التشدد في مسألة الغموض. لكن المنهج المتبع بين الشخصيتين كان واحدا تقريبا، بل أن ديناميات الفعل والتحريف لكليهما تكاد تكون متماثلة موضوعيا ومنهجيا. ففي حين جاء بولس من القدس إلى الشام، نجد ابن سبا أيضا ارتحل من اليمن إلى مكة، بتحريض من اليهود والفرس المجوس، ومسترشدا بسابقة بولس وآليات عمله. فشرع في التنقل في الحواضر الإسلامية آنذاك، ما بين البصرة والكوفة والشام ومصر. فهو، في هذا الحراك، يماثل بولس في نشاطه وبروزه المفاجئ، وتنقلاته بين مدن الحدث، ووصوله إلى علية القوم، وتبوئه مكانة بين قطاع عريض من العامة. كما أنه ناظر بولس في ذكائه وفطنته، في ضوء ظهوره المفاجئ، وفي تواجده في اللحظة المناسبة للفتنة، وفي بلاغته العربية، وسرعة ردوده، وعلاقاته الواسعة، وقدرته على الحشد، وفي أطروحاته وشبهاته، التي لاقت رواجا، وحتى تعاطفا لدى البعض، بما ينبئ عن شخصية عالم ضليع في الأديان. فهو يعرف «اليهودية» و «النصرانية» والإسلام. وهذا يؤشر على أنه ليس من العامة ولا الدهماء. ولعله من شبه المستحيل القول بأنه ولج الفتنة، وساهم في إشعال نارها، بوحي ذاتي أو لمصلحة فردية، بقدر ما يبدو أن هناك طائفة تقف خلفه، وتقدم له ما يحتاج من المشورة والنصح والدعم [1] .

(1) ثمة ملاحظات جديرة بالاعتبار في هذا السياق أوردها الباحث العراقي علي الكاش في كتابه «اغتيال العقل الشيعي» ، يقول فيها بأن: «المعرفة العالية بتعاليم اليهودية وما تضمنته من أفكار تؤكد بما لا يقبل الشك وجود شخصيات وليس شخصية واحدة من اليهود هي من زودت الإمامية بأفكار اليهود» .. ويلاحظ بأن: «البعض ممن يتعجب من وجود شخص واحد هو ابن سبأ الذي يلعب بالعقيدة الإسلامية بمعزل عن تدخل واعتراض الصحابة وبقية المسلمين، لا يعني مطلقا بأنه كان وحده يلعب في الميدان بل هناك مؤسسة يهودية كبيرة وراءه، وهو واجهتها الأمامية» . مرجع سابق، ص 418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت