علوًا كبيرًا ـ وهم الشيعة، ومنهم من يوجبها على الناس، وهم المعتزلة البغداديون، والجاحظ من معتزلة البصرة.
قال الشوكاني في نيل الأوطار: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَصْبُ خَلِيفَةٍ، وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ فَقَالُوا: لَا يَجِبُ نَصْبُ الْخَلِيفَةِ وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ، وَهُمَا بَاطِلَانِ) .
(وأما طريق وجوبه فالصحيح أنه الشرع والعقل معا، وهو قول الحسن البصري، وهذا راجع إلى القول الفصل في مسألة التحسين والتقبيح العقليين فالمعتزلة يقولون إن العقل يحسن ويقبح بنفسه ويبنون على ذلك تعذيب من خالف مقتضى العقل ولو لم تأته الحجة الرسالية، والأشاعرة يقولون إن الأشياء والأفعال ليس فيها حسن وقبح ذاتي قبل ورود الشرع، وإنما تكتسب الحسن والقبح بعد الأمر بها أو النهي عنها من قبل الشارع، والقول الصحيح بينهما وهو أن في الأشياء حسنًا وقبحًا ذاتيين وبناء على ذلك أمر الشارع ونهى، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} ويمكن أن يدرك العقل السليم شيئًا من ذلك الحسن أو القبح، لكن لا يترتب الثواب والعقاب إلا بعد الأمر أو النهي الشرعيين. [انظر زاد المعاد]
فالعقل السليم والفطرة المستقيمة يدركان أن الناس لا يمكن أن تستقيم حياتهم بدون رأس يرجعون إليه، ويعولون في الملمات عليه، يقوم على مصالحهم، ويرد الحق من ظالمهم إلى مظلومهم، تأمن به السبل، وينتظم به أمر المعاش، قال الأفوه الأزدي:
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم تُرْسَ أوتاد
فإنْ تجمَّعَ أوتاد و أعمدة ... يومًا فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا)
ا هـ من [وبل الغمامة لأبي المنذر الساعدي] .