فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 133

ذلك فلا يصح، لأن سبب إتباعهم له هو رضاهم بما ذهب إليه، لا أنه قد ألزمتهم مبايعته إتباعه، وإلا لو فرض أنه لم يبايع غير عمر لما ثبتت إمامة أبي بكر خصوصًا وهو القائل: «من بايع رجلًا من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايع تَغِرَّة أن يقتلا» .

أما كون عمر هو السابق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق، كما قال ابن تيمية.

-أما الاستدلال على صحة بيعة واحد بأن العباس قال لعلي بن أبي طالب: «امدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه ... » فلا يصح, ولو فرض صحته فإنه لم يتم ولم يفعله.

-وأما ما ذهب إليه جمهور الشافعية من انعقاد الإمامة بالواحد إذا انحصر فيه أهل الحل والعقد فكما قال الدكتور محمد رأفت عثمان: (لم يحصل في عصر من العصور انحصار الحل والعقد في واحد، ويندر أن يحصل ذلك) ، والنادر لا حكم له.

-قال محمد رشيد رضا: (فَإِن الْإِمَامَة لم تَنْعَقِد بمبايعته وَحده ـ أي ببيعة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما ـ، بل بمتابعة الْجَمَاعَة لَهُ، قد صَحَّ أَن عمر أنكر على من زعم أَن الْبيعَة تَنْعَقِد بِوَاحِد من غير مُشَاورَة الْجَمَاعَة وَكَانَ بلغه هَذَا القَوْل فِي أثْنَاء حجه فعزم على بَيَان حَقِيقَة أَمر الْمُبَايعَة وَمَا يشْتَرط فِيهَا من الشورى على جَمَاهِير الْحجَّاج فَذكره بَعضهم بِأَن الْمَوْسِم يجمع أخلاط النَّاس وَمن لَا يفهمون الْمقَال، فيطيرون بِهِ كل مطار، وَأَنه يجب أَن يرجئ هَذَا الْبَيَان إِلَى أَن يعود إِلَى الْمَدِينَة فيلقيه على أهل الْعلم والرأي فَفعل، قَالَ على مِنْبَر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول وَالله لَو مَاتَ عمر لبايعت فلَانا، فَلَا يغترن امْرُؤ أَن يَقُول إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة فتمت، أَلا وَإِنَّهَا قد كَانَت كَذَلِك وَلَكِن وقى الله شَرها، وَلَيْسَ فِيكُم من تتطلع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر، من بَايع رجلا من غير مشورة من الْمُسلمين فَلَا يُبَايع هُوَ وَلَا الَّذِي بَايعه تغرة أَن يقتلا. رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَقد أقرَّت جمَاعَة الصَّحَابَة عمر على ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا.

إِن الأَصْل فِي الْمُبَايعَة أَن تكون بعد استشارة جُمْهُور الْمُسلمين وَاخْتِيَار أهل الْحل وَالْعقد وَلَا تعْتَبر مبايعة غَيرهم إِلَّا أَن تكون تبعا لَهُم، وَأَن عمل عمر رَضِي الله عَنهُ خَالف هَذَا الأَصْل الْقطعِي فَكَانَ فلتة لمقتضيات خَاصَّة لَا أصلا شَرْعِيًّا يعْمل بِهِ، وَمن تصدى لمثله فَبَايع أحدا فَلَا يَصح أَن يكون هُوَ وَلَا من بَايعه أَهلا للمبايعة، بل يكون ذَلِك تغريرًا بأنفسهما قد يُفْضِي إِلَى قَتلهمَا إِذْ أحدث فِي الْأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت