فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 133

من الأنصار وكان عمر يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور.

ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السلام، واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام [1] ، وإنما يلهي الناس عنها حُبّ الاستبداد وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، ولذلك يهرع المستبد إلى الشورى عند المضائق، ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصيحة حازم

ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... مكان الخوافي قوة للقوادم

[انظر تفسير الطاهر بن عاشور / آل عمران] ..

ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمسك عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، (وَقَدْ يَنْتَقِلُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْمَفْضُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُوَافَقَةِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ كَمَا قَالَ لِعَائِشَةَ لَوْلَا أَنّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيّةٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ فَهَذَا تَرْكُ مَا هُوَ الْأَوْلَى لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ وَالتّأْلِيفِ) [زاد المعاد] .

والواقع يدل أن (الدولة الإسلامية) لم يتابعها في تصرفها أهل الحل والعقد في الأمة، وقد رأينا قول ابن تيمية: (والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، إلاّ أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم) .

وإذا تنزلنا مع الإخوة في مسألة صلاحية من كان في بلد الإمام في عقد الخلافة على رأي الماوردي الذي اعتبر ذلك الاختصاص عرفًا لا شرعًا، قلنا مع اتساع بلاد المسلمين واختلاف أعرافهم أي الأعراف راعت الدولة عند تأصيل إعلان الخلافة، ومن فوّضهم في هذا الأمر الجلل؟.

(1) (ـ قال في تفسير آية النمل: والأمر: الحال المهم وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين: ولي الأمر .. وصيغة(كنت قاطعة) تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت