حدودَ ما وُلّيَ عليه، فلو وقع تصرفه في غير محله لم يكن نافذا، كمن زوج بكرا لا ولاية له عليها، وهذا هو التوصيف الشرعي الصحيح لهؤلاء الأمراء وأجنادهم عند التحقيق، وبه تزول كثير من الإشكالات، وهو أقرب إلى التحام الصف واجتماع الكلمة، وأيضا فإن التحزب الحقيقيّ يظهرُ بإنكار كل طائفة ما عند الطائفة الأخرى من الحق، وهو الذي ذمه الله تعالى وذكره في صفات اليهود والنصارى، وإن كان التفرق منهيا عنه على كل حال.
وأما مبايعةُ شيءٍ من هذه الأحزاب أو التنظيماتِ على أنها بيعةُ الخلافةِ والإمامة العظمى، أو حملُ شيء من الأحاديث الواردةِ في النهي عن مفارقة جماعة المسلمين، وأن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية، ونحو هذه الأحاديث على هذه الأحزاب والفرق فجهل عظيمٌ بالدين، بل بدعة ضلالة، وافتئاتٌ على أمة المسلمين، فإن استحلت الطائفة مع ذلك دم الخارج عنها أو المخالف لها - كما يُسْتَحَلُّ دمُ الخارج على الإمام الأعظم والمفارقِ لجماعة المسلمين - فقد أعظمت الفرية، وسلكت شِعْبًا من شعاب الخوارج الذين حذّر منهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، لأن المقصود بهذه الأحاديث عند كافة العلماء هو الإمام الأعظم الذي تجتمع عليه كلمة أهل الحل والعقد من المسلمين، كلهم يقول هذا إمام، كما قال الإمام أحمد رحمه الله، وذلك لا يكون إلا للمتغلب أو من اتفق على إمامته أهل الحل والعقد، وأهل الحل والعقد هم رؤوس الناس من العلماء والأمراء والأكابر والمطاعين فيهم، فيدخل في هذا رؤساء القبائل وشيوخ العشائر، ومن يرجع الناس إليهم في الرأي والمشورة وتدبير الأمور وتصريف الأحوال، وهؤلاء موجودون في كل مدينة ومصر من أمصار المسلمين، فإن اجتمعت كلمتهم على إمامة رجُلٍ وتمّ باجتماعهم مقصود الإمامة من اتفاق الكلمة، وحصول الشوكة التي تأمن بها السبل، وينصف بها المظلوم، ويعطى كل ذي حق حقه، وتقام بها أحكام الشرع، فذلك هو الإمام الذي تجب طاعته على كل مسلم، ويحرم الخروج عليه، ولا يضر من شذ حينئذ، وتلك هي سنة الخلفاء الراشدين المهديين الذي أمرنا باتباع سنتهم والعضّ عليها بالنواجذ والأضراس، وأما هذه الأحزاب والطوائف المجاهدةُ فلم يحصل لشيء منها ذلك ولا بعضُه، وإنما وُجِدتْ لمصلحةِ القتال ودفع العدو الصائل عن بلاد المسلمين، ولم تنشأ باختيار أهل الحل والعقد ورضاهم، ولا حصل لها من موافقتهم ما يحصل به مقصود الإمامة العظمى، ولا