هي متغلبة على ديار المسلمين حتى يقال إن الدخول في طاعتها واجبٌ على كافة المسلمين، نعم لها نوعُ شوكَةٍ يتحقق بها مقصودُ ما قامت لأجله من قتال الصائل ودفعه، وربما حصل لها بعض التمكين في بعض الأحوال، وليس ذلك بموجب لها حقوق الإمامة العظمى، لأن حقوق الإمامة العظمى إنما تترتب على حصول الشوكة والتمكينِ الذَيْنِ تتحقق بهما مقاصد الإمامة.
وإن كان التفرقُ في الشرعِ مَنْهِيّا عن قليله وكثيره وعن كل سبب يفضي إليه، وإنما المقصودُ هنا دفعُ أسبابِ الفرقة ما أمكن، والتحذيرُ مما يفضي إلى تعاظُم الشر بين أهل الإسلام، خاصة مع غياب السلطان الذي يجمع كلمة المسلمين، ولأنه إذا انتفى هذا الخلق المذمومُ عن طوائف المسلمين كانتْ أقربَ إلى اجتماع الكلمةِ والتعاونِ على البر والتقوى وإنصاف المخالف، وجمعُ الكلمةِ مع غياب السلطان يحتاجُ إلى عُمْقِ الفهْمِ وسعة النظرِ وحُسن التدبيرِ في سياسةِ الناس، وما لا تقدر عليه السيوفُ تأتي بهِ الكلِمَةُ الطيبةُ والصبرُ والتدبرُ والأناة ...
ثم يَنبغي أن يعلم أن الإمامَ لا يصير إمامًا في زماننا إلا من طريقين، إما موافقة أهل الحل والعقد ودخول الناس في طاعتِه، فتحصل له بمجموع ذلك قوة وشوكةٌ تمكنه من إقامَةِ واجبات الإمامة، وإما بالتغلّبِ والقهر، فتجبُ طاعة المتغلب ولو كان امرأةً دفعا لما يترتب على منازعته من المفاسِدِ وتحصيلا لأعلى المصلحتين، أما تقدمُ طائفةٍ من أجنادِ المجاهدين في الوجودِ على الأخرى، أو كونُ بعضِ هذه الطوائف المجاهدَةِ أكثرَ عددا من غيرها، أو تسمي بعض أمراء المجاهدين بالخليفة ونحوه، أو تسمِيَةُ بعض هذه الطوائفِ المجاهدَةِ دولَةً ونحو هذا، فليس شيء من ذلك بموجبٍ لها حقّ الإمامَةِ العظمى، وأحكام الشرع منوطَةٌ بالحقائق لا بالأسماء فحسبُ، ولا أحسب أحدا من أمراء المجاهدين وأجنادِهمْ ينازعُ في وجوبِ الإمامةٍ واجتماع كلمة الأمةِ على خليفة واحد؛ فيحصل بمجموع ذلك شوكة وقوة يقام بها الشرع وتصانُ بها الحُرُمات، وإنما يقع النزاعُ في دعوى بعض الطوائفِ ذلك لنفسها دونَ غيرها من أمراء المجاهدينَ وطوائفهم، فإنكارُ الأول من قبيلِ إنكارٍ حكمٍ دل الشرع عليه، وإنكار الثاني من قبيل إنكارِ تحقق صورة الحكم في واقعَةٍ مُعينَةٍ، وبين الأول والثاني من الفرق كما بين السماء والأرض، وليس لأحدٍ أن يوجب على الخلقِ ما لم يوجبه الله تعالى عليهم، من بَيعةِ رجلٍ بيعة الإمامة العظمى وإعطائِه صفقةَ اليد وثمرةَ الفؤاد واعتقادِه حرمةَ الخروج