= الطير: لا يأكلها، ولا يأخذها، ولا يتعرض لها. وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلس أو الدراهم: أحب إليَّ أن يتنزه عنها، يعني: إذا لم يدر من أين هي. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه»، هذا مثل ضربه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «سأضرب لكم مثلا..» ، ثم ذكر هذا الكلام، فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه. والله عَزَّوَجَلَّ حمى هذه المحرمات، ومنع عباده من قربانها وسماها: (حدوده) ، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٨٧﴾ ، وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحلَّ لهم وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يعتدوا الحلال، وكذلك قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ الظَّٰلِمُونَ ٢٢٩﴾ ، وجعل من يرعى حول الحمى وقريبًا منه جديرًا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه، فلذلك من تعدَّى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزًا. وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس». وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال. ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات، وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضًا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدًّا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها. =