فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 167

وأما من لم يعلمه حكم الله فيها، فهم قسمان: أحدهما: من يتقي هذه الشبهات، لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه. ومعنى استبرأ: طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرض: هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصَّن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرَّض نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرَّض نفسه للتُّهم؛ فلا يلومنَّ من أساء به الظن. القسم الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئًا مما يظنه الناس شبهة، لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك، كان تركها حينئذ استبراء لعرضه، فيكون حسنًا، وهذا كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن رآه واقفًا مع صفية: «إنها صفية بنت حيي»، وخرج أنس ؓ إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلوا ورجعوا فاستحيا، ودخل موضعًا لا يراه الناس فيه، وقال: من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله. وخرجه الطبراني مرفوعًا، ولا يصح. وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال، إما باجتهاد سائغ، أو تقليد سائغ، وكان مخطئًا في اعتقاده، فحكمه حكم الذي قبله، فإن كان الاجتهاد ضعيفًا، أو التقليد غير سائغ، وإنما حمل عليه مجرَّد اتباع الهوى، فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه، قد أخبر عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه وقع في الحرام، فهذا يفسر بمعنيين: أحدهما: أن يكون ارتكابه للشُّبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح. والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده، لا يدري: أهو حلال أو حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حرامًا في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام. وقال أحمد: لا يشبع الرجل من الشبهة، ولا يشتري الثوب للتجمل من الشبهة، وتوقف في حد ما يؤكل وما يلبس منها، وقال في التمرة يلقيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت