فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 167

= وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العينة والتورُّق ونحو ذلك. وبنحو هذا المعنى فسَّر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة. وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب، وبيَّن فيه للأُمَّة ما يحتاج إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، قال مجاهد وغيره: كل شيءٍ أمروا به أو نهوا عنه. وفي الجملة؛ فما ترك الله ورسوله حلالًا إلَّا مبينًا، ولا حرامًا إلا مبينًا؛ لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شكٌّ، ولا يعذر أحدٌ بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حِلِّه أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب... ومع هذا فلا بُدَّ في الأُمَّة من عالم يوافق الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأُمَّة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقِّها، فلا يكون الحق مهجورًا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المشتبهات: «لا يعلمهن كثير من الناس» ، فدلَّ على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء. وقد فسَّر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام، يعني: الحلال المحض والحرام المحض، وقال: من اتقاها، فقد استبرأ لدينه، وفسَّرها تارة باختلاط الحلال والحرام. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات؛ وقع في الحرام»، قسَّم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين، وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها، فأما من كان عالمًا بها، واتبع ما دلَّه علمه عليها، فذلك قسم ثالث لم يذكره لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه عَلِمَ حُكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس، واتبع علمه في ذلك. =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت