ونؤلفها في السنين الكلول ... إذا لم يجد مكسبًا كاسب
ولم تك يومًا إذا روحت ... على الحي يلفى لها جادب
حبانا بها جدنا والإله ... وضرب لنا خذم صائب
قوله: ونؤلفها في السنين الكلول يعني بالسنين العوام التي تقل الأمطار فيها وتشمل الناس الآفات لها. يقال: أصابتهم السنة. وقد أسنت الرجل، إذا أصابه القحط والجدب. وأراد بالكلول من كان كلا على صاحبه وعيالًا لمعيله، لا يحسن التوجيه لكسب، ولا يهتدي لارتزاء خير وترقيح عيش، كالأيتام والأرامل وذوي العاهة. وقوله إذا لم يجد مكسبًا كاسب بدل من قوله في السنين. أي إذا اشتد الزمان وتضايقت الخطوب بما يعم من القحط، وأعوز الكاسبين كسبهم فلزموا مقارهم آيسين من إقبال الزمان وأهله، جعلنا إبلنا يألفها كلول الناس فينالون منها، ويعيشون فيما يعود عليهم من أبانها ومنافعها.
وقوله ولم يك يومًا إذا روحت، يريد ردت في مراعيها رواحًا فوردت على الحي لم يوجد لها عائب يعيبها، أي لم يوجد لأربابها من يعيبهم فيرميهم بالخل والإمساك. وإنما قال يلفى لها لأنه يريد يلفي من أجلها. والجادب: العائب. كأن المراد اتفاق على حمدهم، ونفى العيب على العلات كلها عن أخلاقهم، وتسليم الفضل والإفضال لهم.
وقوله حبانا بها جدنا والإله أشار بالجد إلى استسعادهم بالزمان، فهم محظوظون فيه، وأن الله عز وجل خصهم بالغنى لما عرفه من استحقاقهم، ومن طولهم إذا مكنوا وملكوا. وقال والإله فأتى به على الأصل، وقلما يعدلون عن لفظه الله تعالى إلى الإله، إذ كان جاريًا مجرى الأعلام بعد لزوم الألف واللام له عوضًا من المحذوف منه.
وأشار بقوله وضرب لنا خذم صائب إلى ما نالوا من الأعداء وإيقاع الغارات بهم. والخدام: القطع. ويقال: سيف مخذم وخذوم. ومعنى صائب ذو صواب، واخرجه مخرج النسب. ويجوز أن يكون من صاب المطر، إذا وقع، صوبًا. فإن جعلته من الصواب كان المعنى ضرب يقع على حده من الاستحقاق والقصد، وإذا جعلته من الصوب فالمعنى واقع موقعه عند الحاجة إليه.