الشرق منهما، دعوى صحيحةً لا يضعفها انتحالٌ، ولا يوهنها كذابٌ. ويقال انتحلت الشيء، إذا ادعيته ولم يكن من شانك. على هذا قال الأعشى:
فكيف أنا وانتحالي القوا ... ف بعد المشيب كفى ذاك عارا
ونحل الشاعر قصيدة، إذا رويت عنه ولم تكن من قبله. وانتصب غير على أنه مصدر أكد به ما قبله، وعلى قولهم: هذا زيد حقًا، وغير شكٍ. وقوله وتيماء أراد ولنا تيماء التي هذا صفتها وحظها من عنايتنا بها. وهي بلدةٌ بناحية يثرب. وقوله من عهد عادٍ جعل من بدل منذ، لأن منذ في الأزمنة بمنزلة من في الأمكنة، فهو في موضع الظرف، والعامل فيه حميناها. وقد ذكر امرؤ القيس تيماء فقال:
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ... ولا أجمًا إلى مشيدًا بجندل
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأنى دونه الخلق
قوله عليك مما أغرى به وحضض، وصار بذلك من أسماء الأفعال. ويقال عليك كذا وعليك بكذا. والمعنى الزمه وخذ نفسك به. والقصد: واسطة الأمور، فما تعداه سرفٌ وما انحط عنه قصورٌ. ولذلك قيل لمن ليس بجسيمٍ ولا ضئيلٍ، وليس بقصيرٍ ولا طويلٍ: هو قصدٌ ومقتصدٌ. ومعنى البيت: عليك باستقامة الطريقة وملازمة الأعدل في القضية مما تلابسه وتفعله، واترك تكلف ما ليس من شيمتك وسجيتك، فإنك إن تجشمته صابرًا على البلوى فيه نزعت نفسك قريبًا عنه، وعدت إلى مذهبك الأول فلحقك الذم له.
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمى الذمار وترمينى به الحدق
يقال للمكان النابي بصاحبه ولا يمكنه الاستقرار به تشبيهًا: هو مثل حد السيف، وكقرن الأعفر، وحد السنان. وذمار الرجل: ما يجب عليه حفظه. ورجلٌ