يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
قوله (لكل امرىء) يريد لكل رجل منهم جانب من القلب، وشق قد فرغ له وخص بموضع سره ونجواه، لا يطلب الاطلاع عليه والكشف عنه، لما عرف من محافظتي ووفائي. والنجوى يجري على أحكام المصادر: الدعوى، والعدوى، وألفه للتأنيث، ويوصف به الأمر المكتوم. ويقال: نجوته فهو نجى. وقد وصف بالنجوى والنجى الواحد والجمع. وفي القرآن: خلصوا نجيا، وإذ هم نجوى، وما يكون من نجوى ثلاثة. ويقال: تناجوا وانتجوا. وقوله (يظلون شتى في البلاد) يريد أنهم يفارقونه فيتغيبون في أقطار الأرض، وسرهم مكتوم محصن، كأنه أودع صخرة أعجز الرجال صدعها، ويقال: شت الأمر شتًا وشتاتًا، وهو شتيت وشت، وهم أشتات وشتى. فأشتات جمع شت، وشتى: جمع شتيت. ويروى (أعيا الجبال اتضاعها) والمعنى أن هذه الصخرة لإشرافها وثبوتها في موضعها لو رام الجبال حطها لأعجزها ذلك. وقوله (إلى صخرة) أي مضموم إلى صخرة. فتعلق إلى بفعل مضمر دل عليه الكلام.
لما رأيت الشيب لاح بياضه ... بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خفت أني إن كنت كففت تحيتي ... تنكب عني رمت أن يتنكا
ولكن إذا ما حل كره فسامحت ... به النفس يومًا كان للكره أذهبب
قوله (لما رأيت الشيب) لما علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره. وجوابه (قلت للشيب مرحبا) . وكان الواجب أن يقول: قلت له مرحبًا ولكنهم يكررون الأعلام وأسماء الأجناس كثيرًا، والقصد بالتكرير التفخيم. والمعنى: لما وجدت الشيب اشتعل رأسي ببياضه، طيبت نفسي بطلوعه وقلت له: أتيت رحبًا وسعةً. وقوله (مرحبًا) انتصب على المصدر. ويقال: رحبت بلادك رحبًا ورحابة.