الواهب الألف لا ينبغي به بدلًا ... إلا الإله ومعروفًا بما اصطنعا
تقول: إنه يفرق ما يفرق من ماله لا لطلب عوضٍ، ولا اجتذاب نفعٍ واجتلاب محمدة، ولكن يريد به التقرب إلى الله تعالى، وأن يفعل المعروف بما يصنعه، فهو يتلذذ بفعل المعروف، وباحتساب الأجر عند الله.
ألا من مبلغٌ عني قريشًا ... ففيم الأمر فينا والإمار
لنا السلف المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الخيرات فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار
الرسالة التي تطلب إبلاغها، وترتاد من تضعها على لسانه فيحتملها، قولها"ففيم الأمر فينا"، وما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف الألف ٌ من آخره، تقول: فيم وبم. وقد تقصى القول فيه من قبل. كأن هذه المرأة تستبطء قبيلتها قريشًا. فتقول: من يبلغهم عني لماذا كان الأمر فيهم والتشاور، والاقتداء والترافع، حتى صار الناس تبعًا، ومالكم تنقبضون فيما يجب عليكم السعي فيه، ولنا الشرف الرفيع والسلف القديم، وقد علمتموه علمًا خاليًا من الشك، بريئًا من الشبهة، ولم يعرف غدر لنا بجارٍأو ذي محرم، وقدت من أجله لنا نار. وكانت العرب إذا أرادت تشهير غدر غادر حتى يتجنبه الناس أوقدت نارًا في يفاع هضبةٍ، ونصبت لواء عند مجمع لهم أو سوقٍ عظيمة، وينادون: هذه نار فلان الغادر ولواؤه!! يشهرون أمره ويقبحون صورته على هذا يحمل قول زهير:
وتوقد ناركم شزرًا ويرفع ... لكم في كل مجمعةٍ لواء
ولا يمتنع أن يراد بإيقاد النار قيام الناس وقعودهم، وتفاوضهم للغدرة إذا ظهرت من الغادر، وما يثور من الفضيحة والذكر القبيح، فيكون هذا مثل قول أبي