ويكون المعنى: رأينا أحسن المواصلة بيننا تواصينا بأن ساكتوا الأحبة ومن يختلف بيننا وبينهم، لا يقرف الشر قارفه. وفي الوجه الأول يكون مساكتة مفعولًا ثانيًا. والمعنى سكوتًا من الجانبين، أي كفافًا لا يتولد منه قرف ولا تهمة، ويكون قوله لا يقرف الشر، تفسيرًا للمساكتة، وبيانًا لاختيارهم لها. ويروى صوارف بالراء، والمعنى قلوب تصرف الود بما تأتيه وتستعمله عن القلوب الأخر.
وقال آخر:
فإن ترجع الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفًا مثل صيفي ومربعي
أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع
رجع هذا معدى، لأنه بمعنى رد. يقال: رجعته رجعًا فرجع رجوعًا. وصيفًا انتصب على المفعول من قوله ترجع. وكان الواجب أن يقول: صيفًا ومربعًا مثل صيفي ومربعي، أو يقول: بذي الأثل صيفي ومربعي، أي أيامًا كأيامها، فلما لم يلتبس المراد قال: صيفًا مثل صيفي ومربعي. وقوله أشد بأعناق النوى، أشد في موضع الجزم، لأنه جواب الشرط. ولك أن تضم الدال منه إتباعًا للضمة الضمة، وأن تكسرها لالتقاء الساكنين وأن تفتحها، لأن الفتحة أخف الحركات. والمعنى إن ردت الأيام الدائرة بيني وبينها ربيعًا مثل مربعي، وصيفًا مثل مصيفي معها، استظهرت على النوى بأن أوثق أواخيها، وأمر حبالها التي أربطها بها، حتى إن جاذبتها قاومتك فلم تتقطع. وهذا مثل. والمراد أنى أحكم التألف والتجمع بما يؤمن معه تعقب الآراء بالمزايلة والافتراق.
دعا داعيًا بين فمن كان باكيًا ... معي من فراق الحي فليأتني غدا
فليت غدًا يوم سواه وما بقي ... من الدهر ليل يحبس الناس سرمدا
لتبك غرانيق الشباب فإنني ... إخال غدًا من فرقة الحي موعدا
كان شعباهما متجاورين في النجعة، فلما تقضى أيامها وهموا بالانصراف إلى المزالف وجوانب القرى، دعا داعي الفراق في كل شعب منهما، وبعثوا على التهيؤ، لذلك ثنى فقال: داعيًا بين. وقوله فمن كان باكيًا، يريد: فمن آلمه ما أحس به