إنى أبى الله أن أموت وفي ... صدري همٌ كأنه جبل
يقول: يأبى الله عز وجل لي الاخترام وفي نفسي همٌ عظيمٌ لا أسعى في إمضائه وتنفيذه. ويعني بذلك دمًا يطلبه، أو حقدًا ينقضه، أو منىً من عدوه يدركه. وهذا الكلام وعيدٌ وإيذانٌ بأنه مجتهدٌ في الطلب، وراجٍ ألا يحول الأجل بينه وبين الأمل، بما عوده الله من الصنع والظفر بالمطلوب. والواو من قوله"وفي صدري"واو الحال. وموضع"كأنه جبل"صفةٌ للهم. والهم يجوز أن يكون مصدر هممت بالشيء، ويجوز أن يكون واحد الهموم.
يمنعني لذة الشراب وإن ... كان قطابا كأنه العسل
هذا من صفة الهم. يقول: يصدني ذلك الهم عن التلذذ بالشراب، وإن طاب وصار مزاجًا كالعسل يستحلى ولا يتكره. ومثله لأبي ذؤببٍ:
فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله
جعل ما يمزج به مزجًا. ورواية الأصمعي"مزجًا"بكسر الميم. فالمزج كالمزاج والقطاب، سماه بما يستصلح له من ذلك أو يفعل به من بعد. وإنما قال هذا لأن الواحد منهم إذا أصيب بمن يمسه أو وتر فيمن يقرب منه ويختصه، كان يعقد على نفسه نذرًا في مجانبة بعض اللذات أو أكثرها، من معاقرة الشراب أو مجامعة النساء أو ما يجري مجراهما، إلى أن ينال المراد، ويحصل المرتاد. ويقال قطبت الشراب، أي مزجته. ويروى:"وإن كان رضابًا". ويجوز أن يريد به ماء فم محبوب. ويجوز أن يريد ماءً محله في جنسه ذلك المحل من الشراب.
حتى أرى فارس الصموت على ... أكساء خيلٍ كأنها الإبل
حتى تعلق إن شئت بقوله أبى الله، وإن شئت تعلق بيمنعني، والتقدير في الوجهين: يأبى الله موتي حتى أرى هذا الأمر، أو يمنعني الهم الالتذاذ بالشراب حتى