وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل ولكن قل منك نصيبها
انتصب إجلالًا لأنه مفعول له، جعله علة في تهيبه لها. ويجوز أن يكون في موضع الحال، فيقول: أحتشمك بظهر العيب، وأخافك ليس لاقتدار سلطاني منك علي، وامتلاك لضرى ونفعي في يديك، ولكن رفعًا منك، وإكبارًا لقدرك، ولأن العين تمتلىء ممن تحبه استكبارًا. واستعظامًا، لأنه يحمدها والضمير من حبيبها للعين، وإن جعلتها للمرأة، أي ما تحبه وترضاه يملأ العين، جاز. والملء: القدر الذي يمتلىء منه الشيء؛ والملء، بفتح الميم: مصدر ملأت.
وقوله وما هجرتك النفس، يريد أن الإخلال بالزيارة؛ والتأخر عن إقامة العادة ليس لزهد ولا لاستقلال للحال، وإزراء بالحق، ولكن قل حظي منك، ودام إعراضك عني، فرمت رضاك في البعد عنك، وترك التثاقل عليك وقوله ملء عين جاز الابتداء به وإن كان نكرة لحصول الفائدة في تعليق الخير.
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ... ولا النفس عن وادي المياه تطيب
أحب هبوط الواد بين وإنني ... لمشتهر بالواد بين غريب
قوله يثيب أي يجعل لي ثوابًا، ويقسم لي لتوفري عليه رداءا ونفعا، ويجوز أن يكون من قولهم: بئر لها ثائب، إذا كان ماؤها ينقطع أحيانًا ثم يعود؛ فيكون أثاب بمعنى صار لها ثائب، كأن الوادي كان كان اتفق فيه مواصلة بينه وبين محبوبه ثم انقطع، فكان لا يثوب خيره، وهذا الذي قلناه في أثاب ذكره أبو زيد. ويجوز أن يكون ذكر الوادي كالكناية عنها، فيقول: ليست تسلو نفسي عن وادي المياه وما يتصل به وعن أحبتي فيهما، وأراه لا يوجب لي مثل ما أوجبه، ولا يرضخ لي جزاء على ما أتحمله، وأنا أحب النزول بالواديين والانتعاش بزيارتهما، لكني مشتهر بهما غريب لا ناصر لي فيهما، فأحتاج أن أحاذر الرقباء خوفًا على نفسي، وتفاديًا مما يلحق صاحبي من المروه والإعنات بسبي.
أحقا عباد الله أن لست واردًا ... ولا صادرًا إلا على رقيب